تتوسل نظرية (تصدير الثورة) على الزعم بأن هذه الثورة هي ثورة (إسلامية شيعية) وهو وصف لا يأتي عبر المعنى الإيجابي أو المحايد، ولكنه يتأسس نظريا وعمليا على المعاني السالبة، أي أنه يفترض أن الشيعة (وحدهم) مظلومون، مظلمة تاريخية ابتدأت مع مقتل الحسين في كربلاء، وبقي أثرها أربعة عشر قرنا متصلة، ويجري وصف الشيعة بأنهم أقلية مقموعة، وأن قامعهم هو الكائن السني الذي يحتويهم، ويقتضي هذا أخذ المعنى الجوهري في المذهب الشيعي بأن المهدي (إمام الزمان) سيعود حين ينضج الزمن لظهوره وأنه سيخلص المظلومين، ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ومظالم، مع التركيز على عنصرين كلاهما سالب، أولهما أن الشيعي هو المظلوم دون غيره، والثاني أن الآخرين غير الشيعة هم مرتكبو الظلم بصيغة متصلة، وليس بكونه حدثا محددا في وقت مضى.

والمشكل مع هذه الشعارات هو لعبة التوظيف السياسي والوجداني لها، فهي تخدم السياسي لتجييش الحشود معه، وهي في الوقت ذاته تخدم الشعور العاطفي للحشود الشيعية التي تميل لأخذ هذه الفرضيات مأخذ اليقين المطلق، فتضع الحق بإطلاق في صفهم وتضع الأطراف الأخرى بوصفها الظالم أو الساكت على الظلم، ومن هنا يتحد السياسي مع العاطفي لتأجيج المعاني وتحويلها إلى معان عسكرية وقتالية حتى تمت تسمية معارك الجيش العراقي بشعار (لبيك يا حسين) وسار الجيش تحت هذا الدافع العقدي، وهو شعار يصنعه السياسي وتنفعل به الحشود، وفي المقابل يثير حفائظ الأطراف الأخرى، وهنا تتم عمليات تصدير الثورة حيث ستتخلق الطائفية بأقسى صورها بعد فرز المكون الاجتماعي بين أقلية مظلومة هم الشيعة حصرا وآخرين سيكونون في خانة الظالمين، من بعد أن كانت المكونات تعيش متصالحة ومتسالمة لقرون حتى جاء شعار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بوصفه نائبا عن إمام الزمان حسب نظرية (ولاية الفقيه).

هنا يأتي الإشكال المصطلحي حيث الدعوى بأن ما جرى للحسين بن علي (رضي الله عنه) هو أمر خاص بالشيعة الجعفرية، وأن مقتل الحسين هو قتل جماعي لكل من تشيع، ويجري التذكير بهذا في كل سنة مع ذكرى العاشر من محرم، حيث تتم تغذية الوجدان الشيعي الفردي والجمعي بمعنى أنهم الوريث الشرعي الحصري للحسين في مظلمته التي لن تكون تاريخية، وإنما ستبدو زمانية متصلة، وستكون وصفا عقديا لكل ظلم يقع على أي شيعي في أي بقعة على الأرض، وقد جرى لنا في الجامعة أن رأينا طلبة لنا يتهمون الأساتذة بأن أي رسوب لهم أو نقص في علاماتهم هو عمل متعمد ومقصود بما إنه ظلم لآل البيت، وحصل أن طالبا لي في الماجستير كان يغيب كثيرا عن المحاضرات وحين أرسل لي أحد بحوثه ضمنه أبيات أحمد شوقي في مسرحية مجنون ليلى:

أ لأني أنا شيعي وليلى أموية

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية

ولم يكن لي سوى أن أصحح الورقة بشرطها العلمي، ثم أمزقها كي أبعد الوجع الذاتي الذي انتاب مشاعري لحظته، وقد حصل الطالب عندي على تقدير جيد جدا، وما كنت لأظلمه ولا أظلم غيره، وكم آلمني سوء ظنه بي وبنفسه وكذلك بتاريخه وطريقة فهمه لوجوده اليومي والاجتماعي.

الإشكال هنا يقوم على منظومة من الافتراضات الخاطئة، فالمظلمة التي وقعت على الحسين هي مظلمة تاريخية مقطوع بمعناها عند كل المذاهب الإسلامية بلا استثناء ولا تخصيص، وكلهم يشجبون يزيد وتاريخ يزيد من كل الوجوه، والكل يقول إن يزيد فاسق وليس كفؤا لأن يحكم المسلمين، فيما أن الحسين سبط رسول الله وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، وهما ريحانة الرسول وحبه الأعمق ولا يخرج عن هذا أحد من المسلمين، أما حصر الدعوى بالشيعة الجعفرية فهذا أمر لن يكون حقا ولا حقيقة وسيكون مجرد دعوى تتخذ لإحداث تمييز مفتعل ويظل هذا التمييز مادة ثقافية قابلة للتوظيف على مستوى العلاقات اليومية والفردية، وعلى مستوى التوظيف السياسي حين تحتاج أي دولة أو تنظيم لاستغلال الشعار لتحقيق أهدافها الخاصة؛ ولذا تأتي مسميات حزبية من مثل (حزب الله) و(أنصار الله) وهي تسميات ملتبسة تقوم على تخصيص الذات بصفات يتحتم سلبها عن غيرهم. وكل هذا يندرج في بند الدعوى الفئوية ويؤدي إلى انغلاق الفئة على نفسها من جهة، وعلى توتير الآخرين تجاه تصرفات وشعارات لا تساعد في تأليف العلاقات ولا في حل التأزمات.

مشكلة هذا النوع من الشعارات التي تبنى على تصور متوهم أنها ترتد سلبا على نفسها، ويكفي أن تقارن بين ما تمنحه لنفسها من أسماء: ثورة إسلامية، حزب الله، أنصار الله، ثم اقرن ذلك بسلوكها لترى كيف تتحول المظلومية إلى ظالمة أولا، ثم تغض الطرف عن عيوبها، بل إنها تبرر لها حتى ليكون كل خصم لها إرهابيا وتكفيريا يصح قتله وسحقه وتدمير أرضه وسرقة وجوده وماله، وهذا أمر رآه السوريون واليمانيون والعراقيون واللبنانيون وكل أرض دخلتها إيران الإسلامية، بعناصرها أو بالوسطاء من تنظيمات رعتها وسلحتها، حتى لقد تم تفجير حجاج بيت الله الحرام وفجرت الكويت والأردن ولبنان والبحرين، وتحول تاريخ المنطقة إلى حروب أهلية بين الأهل والأهل تحت مظنة الحق ضد الباطل وهو لب صنعة تصدير الثورة في تاريخها على مدى أربعة عقود.

وكذا فإن مثل هذا التصور الواهم يرتد سلبا على المحيط المحتك معه، ومن هنا يأتي شعار المظلومية ليكون قنبلة موقوتة جاهزة للتفجير عند أي احتكاك غير عقلاني وغير واقعي، وهذه واحدة من وسائل تصدير الثورة بوصفها إسلامية أولا ثم بوصفها ثورة المظلومين، ثم بدعوى أنها تمهد الطريق لظهور إمام الزمان، وهذه كلها معان ملغومة ما إن تلامسها حتى تشتعل بين يديك، وهذا ما نراه في كل حالة نقاش صريح تطرح فيه هذه التساؤلات؛ مما حدا بكثيرين للصمت تجنبا لإثارة الفتن وخوفا من اتهامهم بالطائفية، وهي التهمة التي توجه لكل من يناقش هذا الأمور.

وفي النهاية، سنرى أن المظلومية إذا تحولت إلى ظالمة فإنها تفقد كل رصيد معنوي لها، وكذا تفقد كل حس عندها في نقد ذاتها، بل إنه تحجر على غيرها وتقمع حتى مجرد التساؤل عن تصرفاتها أو تسمية مظالمها. وستتعطل الحاسة النقدية عندها حتى لا تعي بذاتها ولا بسلوكها وتمنع أتباعها من التساؤل النقدي، وسيجري قمع أي واحد من الأتباع لو فكر بنقد المؤسسة المحصنة، وكأنه مارق يخرج من الملة، في حين يجري تشويه الآخرين من نقاد السلوك المخالف لكل قيمة دينية أو أخلاقية، وتهمة الطائفية هي الكلمة الجاهزة بمجرد أن تنتقد سلوك إيران مع جوارها العربي. وينتهي معنى الطائفة إلى مفهوم مصطلحي عقدي هو (الطائفية) كما سنرى في المقالة المقبلة.