"المزاد" عملية تجارية.. بيع وشراء.. الفرق بينها وبين غيرها من العمليات التجارية أن صاحب السلعة يعرضها بحثا عن السعر الأعلى.. قد يصل المزاد إلى رقم فلكي.. وهو سلوك تجاري قديم، ارتبط في أذهان الناس في منطقتنا بالمزاد - الحراج - الذي يُقام على السيارات.. امتدت خلال العقد الأخير لتشمل لوحات السيارات!
كل هذا يمكن قبوله.. ويمكن أيضا قبول المزادات على الكائنات الحية، الزاحفة، والطائرة، وما يسير على أربع.. فهناك مزاد على الإبل.. وهناك مزاد على الخيول.. وهناك مزاد على الطيور والحمام والدجاج والبط.. وهناك مزاد على التيوس.. وهناك مزاد على الماعز الشامية و"السلق" والقطط الشيرازية!
كما قلت كل المزادات يمكن قبولها.. إلا المزاد على البشر.. المزاد على الإنسان.. بيعه وشراء البشر.. أعني هذا المزاد الرخيص على المحكومين بالقصاص!
هل هناك جديد حتى نكرر ونعيد طرح هذا الحديث؟
الجديد أن "الدلال" - المسؤول عن المزاد - ما يزال مستمرا بصوته النشاز: عشرة ملايين.. عشرون مليونا.. ثلاثون مليونا!
قرأت قبل يومين، في السياق ذاته، أن لجنة إصلاح ذات البين في مكة المكرمة وفقت - مشكورة - في تحقيق العفو في 314 قضية لمحكومين بالقصاص توافرت فيهم مسوغات التدخل بالعفو.. الخبر لم يذكر متى، وأين، وهل كانت هناك حالات دخلت ضمن المزادات أم لا؟
على أي حال، لا أظن كاتبا في البلد لم يمر على هذا الموضوع.. دون جدوى.. هذا يعني ببساطة شديدة أن المسألة لم تعد مسألة وعي.. ولن يحسمها قناعة مجتمع أو قبيلة أو فئة.. بل قرار رادع، يمنع هذا المزاد على البشر!
يفترض بوزارة العدل أن تضع أولياء الدم أمام خيارين:
من يرد التنازل فليتنازل لوجه الله طمعا في الأجر والمثوبة والسمعة الحسنة.. أو فليرفض وليطلب حقه الشرعي.. فإن خرج من يعارض هذا الرأي فليس أنسب من فتح السقف الزمني لسداد الدية على الأقل.. بعد أن يوضع حد معين لها.
أما ترك الأمر مفتوحا دون ضوابط لهؤلاء الذين يتاجرون بالدماء ويقيمون مزادات علنية على رقاب البشر، فيبيعونها بملايين الريالات؛ فهذا أمر منكر لا تقبله الأخلاق السوية.
بقيت نقطة مهمة: "بعض" جرائم القتل - التي لا تنضوي تحت الغدر والخيانة والترصد وما في حكمها - ليس أنسب لها من العفو لوجه الله.. لكن المشكلة أن العفو سلوك عظيم، عظيم جدا لا يُقدم عليه إلا الرجال الأفذاذ.