ما قبل البارحة، وفي مجلس سمو الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير، أخذنا سعادة مدير عام تعليم المنطقة، الأستاذ جلوي بن كركمان إلى عرض جذاب أخاذ عن أرقام التعليم وواقعه ووقائعه. سأكون واضحا صادقا إن قلت إنني لم أستمع طوال حياتي إلى تربوي واحد يختصر التحديات الهائلة أمام جسد التعليم العام في أربع نقاط جوهرية لا خامس لها، بقدر ما استمعت من إيجاز سعادته. خرجت حزينا وأنا أقرأ بين سطور إيجازه المذهل أننا وصلنا إلى الدرجة التي أصبح فيها "غرس قيم الانتماء الوطني لهذا البلد" تحديا، بل معركة وجود، تستحق أن تكون ثاني أبرز التحديات في بنية وهيكل التعليم. ما هي الحلول؟ قد تبدو بسيطة مباشرة لكن تطبيقها في زمن "الاختطاف" يبدو مهمة... صعبة قوية... قيم وتعزيز الانتماء الوطني لن تترسخ بالمحاضرات والندوات والخطب، هذا التحدي الخطير جداً لن يتحقق إلا حين نأخذ الطلاب إلى جولات ورحلات إلى المنجز المادي التنموي في عشرات المشاريع الوطنية الكبرى، ليعرف الجيل القادم ماذا يقدم له وطنه. سعادة مدير عام التعليم يتحدث ما قبل البارحة عن 420 ألف طالب وطالبة في جسد التعليم بمنطقة واحدة، وهنا سأعود بكم للقصة القديمة: في ظرف يوم وحيد، وقبل سنوات طويلة زرت مع راحلنا الكبير، غازي القصيبي، وزير الماء والكهرباء، محطتي تحلية المياه بالشقيق ومحطة كهرباء عسير بكل ما في المكانين من إنجاز تقني بالغ الدهشة. لكن طالبا واحدا من بين كل هذه الأرقام الهائلة في أعدادهم لم يذهب في رحلة مدرسية ليعرف هدايا وطنه إليه في زلال ماء البحر الذي نشربه من مركز البشائر إلى حدود ظهران الجنوب، ولا يعرف كيف أصبح ليله نهاراً في منظومة تقنية الكهرباء التي اختارتها مجلة "nature" ثالث شركة بكل هذا العالم من حيث الكفاءة في أداء المهمة تحت ظروف مناخية بالغة القسوة. لم يذهب من جسد هذا التعليم طالب واحد ولو حتى لزيارة بعض مشاريع وطنه في منطقته الخاصة التي سجلت في الأعوام الخمسة الأخيرة مئة مليار من أجل أمنه ومستقبله. لم يذهب طالب واحد، بالمثال، إلى قاعدة خميس مشيط الجوية حيث حداثة التكنولوجيا العصرية التي تضعها في المرتبة الثانية مباشرة خلف "سان أنطونيو" الأميركية. لم نأخذ طالبا إلى مشاريع الحرمين الشريفين أو إلى أرامكو وسابك والهيئة الملكية والمدن الاقتصادية العملاقة تحت الإنشاء. وخذ أم الكوارث أن جيلا كاملا تختطفه خيم المساء ودهاليز الاستراحات المشبوهة في رسالة نشاط طلابي تختصر هذا الوطن العملاق في خيمة أو استراحة. ما سبق يكفي. انتهت المساحة.