عندما يسألك طفل في السادسة عن شيء ما، جرّب أن تقول له (لا أدري). هل تعرف ماذا سيفعل حينها. غالباً (وربّما دائماً) سيجيب الطفل نفسه، وسيملأ فراغ جهله، قد يخبرك بهذا وقد لا يخبرك، سيخترع الطفل أي قصّة تعطيه الإجابة، سيفترضها أولاً، ثم سيتعامل معها كحقيقة، وإن طال عهده دون أن يعرف إجابة أكثر إقناعاً، ستتحوّل قناعته إلى إيمان..يعرف صحّة كلامي، من اقترب من الأطفال عملياً، أو حتى من قرأ عن سلوكيّاتهم نظريّاً. الأعجب هو أن هذا السلوك ليس مقتصرا على الأطفال، فكثير من البالغين يمارس نفس السلوك دون أن يشعر مدفوعاً بنفس السبب الذي يدفع الطفل إلى ذلك. إنّ التعايش مع اللا أدريّة (الموقف الذي لا يقطع بإجابة تجاه شيءٍ ما) شيء غير متيسّر للكثير من النّاس، إنّه مقلق وغير مريح.

يحتاج النّاس الإجابات ليشعروا أنّ كل شيء بخير، إنّها نقطة ضعفٍ قديمة في الكائن البشريّ، وهذا ما يسمّيه إدوارد دي بونو (الحاجة إلى الشعور بالصواب)، ويرجعه إلى سببين أحدهما طبيعي مزروع في خلقة الكائن البشري وهو خوفه من المجهول وحاجته إلى الشعور بالأمان من خلال فهمه له وفي ذلك يقول "فلنتصوّر حيواناً يعيش في بيئة قاسية مليئة بالأعداء والمنافسين، إن أي شكل جديد يلوح له عليه إما أن يتجاهله أو أن يتعامل معه بالهجوم عليه أو الفرار منه. وإلى أن يتكوّن التفسير المناسب الذي يدفعه إلى الاختيار فسوف يشعر بالقلق ويفتقد الأمان".

أمّا السبب الآخر فهو ناتج عن طريقتنا في التعليم التي تنمّي لدى الطالب حاجته للشعور بكونه على صواب. من خلال إشادة المعلمين به ورضاهم مع كل إجابة يقررون صحّتها. ليمضي ذلك الطالب في حياته بعد ذلك حريصاً على الاتساق مع الصواب المألوف لديه ومرتعباً من الوقوع في الخطأ لأسباب نفسية بالكامل.

قد أجاد الكثير من ممتطي الشعوب استغلال هذه النقطة من الضعف البشري منذ القدم، فهي سببٌ في نشوء السلطات المعرفيّة التي جهزت للجماهير كبسولاتها المريحة وتلقّت مقابلها امتياز الأولويّة والحصانة. في ظلّ هذا السلوك الجانح للراحة نشأت كثير من الأساطير، وما زالت تنشأ.

ما عدا قلّة ناضجة محدودة من البشر، لا أحد يطيق ألّا يدري، لذلك يصعب على البعض أن يعترف أنّه لا يدري حتى أمام نفسه ولو كان وحده، هذا ما يجعله تلقائيا يقرّب تصوّره عمّا يجهله إلى أقرب صورة مألوفة إليه، ثم يجهّز لنفسه الإجابة، وقد تمرّ إجابته المفترضة بنفس المراحل التي تتبلور بها قناعات طفل السادسة، إذا أجّل له الزمان أحد اختباراته الناقضة لها (على سبيل المصادفة).

لذلك فإنّ البحث العلمي في حقيقته ليس حركة تسعى إلى توفّر الإجابات بعد انعدامها، بل هو حركة تسعى إلى التخلّص من الإجابات الخاطئة بعد تسلّلها إلى الذهن بطريقة أو بأخرى. فمجرّد وصول المرء إلى كونه (لا يدري) يعد غاية تستحق العناء عند النخب المفكّرة. "يروى أن الشعبي سئل عن مسألة فقال (لا أدري)، فقيل له: فبأيّ شيءٍ تأخذ رزق السلطان؟ فأجاب: لأقول في ما لا أدري لا أدري". وقريب من هذا ما يروى عن بول فاليري من "أنّ سيدة مخمليّة تصدّت له بجملة من الأسئلة، أجاب عليها كلّها بالعبارة ذاتها (لا أدري)، فقالت له: عجباً ولماذا يتبحّر المرء في العلم إذن؟ فقال: يفعل ذك أحياناً ليقول: أنا لا أعلم شيئاً".

ولكنّ أغلبنا ليس كذلك، نحن لا نتنبّه في العادة لهذا السلوك المزروع في بنيتنا الدماغية ولعلّ هذا ما أنشأ لدينا ظاهرة مسؤولة عن كثير من الحماقات البشريّة وهي ظاهرة (توهّم المعرفة)، فنحن لا نتظاهر أحياناً أننا نعرف فحسب، بل نتوهّم ذلك ونصدّقه في سلوكٍ طفوليّ، ولأنّ الكثير من أوهامنا ليس خيّراً بالضرورة، فهذا يؤهلنا إلى أن نكون أكثر قسوة، وبشكل أعمى أحياناً. لاحظ نفسك عندما تجري عقاباً على أحدهم، فإنّك تكون أقلّ صرامة في الحالة التي تهتزّ بها ثقتك في سلامة معطياتك وصحّة موقفك، وهذا هو نفسه ما يقلل الميل إلى القسوة عند الكثيرين.

الكثير من مستوى القسوة سينخفض بمجرّد تفادي التورّط بتوهّم المعرفة، والكثير من توهّم المعرفة سينخفض بالتعوّد على التعامل مع كوننا لا ندري بشجاعة، أي أن نعرف ذلك عن أنفسنا ونعترف به. ولعلّ هذا متوائمٌ تماماً مع المقولة الصوفيّة التي تربط الرحمة بالحقيقة، فمن طلب الحقيقة عاش بالرحمة، ومن عاش بالرحمة هو إلى الحقيقة أقرب.