بدأت تداعيات التدخل العسكري الروسي في سورية تداعب مخيلة الكتاب، وليس فقط التحليلات العلمية للخبراء والباحثين.

أحدث التصورات الخيالية نشرت قبل أيام على موقع "بنادق أفلاطون"، وتشير إلى أن "حلم إسرائيل الكبرى" على مدى العقود السبعة الماضية اصطدم للمرة الأولى بالتدخل العسكري الروسي بسورية أواخر سبتمبر الماضي.

الخطة الكبرى كانت تقتضي افتعال سلسلة من الحروب لا تنتهي، تغتصب الأراضي العربية قطعة تلو القطعة، مع كل حرب جديدة، حتى يتحقق حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، لكن فجأة انقلب الحلم إلى "كابوس" جيوسياسي ووجودي، مع بدء الطموحات التوسعية الإقليمية لروسيا، بدءا من بلاد الشام "وبالتحديد سورية"، ليمسي حلم إسرائيل بين ليلة وضحاها سرابا على رمال متحركة.

روسيا ليست عدوا معلنا لإسرائيل حتى تتحسب له، فقد يحدث تدمير لأحلامها في لحظة خاطفة، وبشكل غير مقصود حين تتمادى موسكو في تحقيق مصالحها الإقليمية والدولية بالشرق الأوسط.

الحلم الروسي القديم

وعن مصلحة روسيا في بلاد الشام، تأتي الإجابة بأن بوتين يعتزم إعادة محاولة تحقيق الحلم الروسي القديم عن طريق إرساء قواعد عسكرية بحرية في المياه الدافئة بالبحر المتوسط، وهي بمثابة خط الدفاع الأول لصد زحف الغرب تجاه الأراضي الروسية، فالوجود العسكري الروسي في سورية، كما صرح الرئيس فلاديمير بوتين نفسه "مسألة أمن قومي".

اللافت للنظر أن روسيا لم تتمكن من إنشاء قواعد عسكرية في منطقة البحر المتوسط منذ حرب 1967 بين العرب وإسرائيل، فضلا عن خسارة نفوذها بمصر، في سبعينات القرن العشرين، لذا يمثل الوجود العسكري المتزايد في سورية حاليا المناورة الجيوسياسية الأكثر حيوية لإعادة تأسيس سلطة موسكو في الشرق الأوسط من جديد.

ملء الفراغ

أيضا فإن بوتين يري أن الولايات المتحدة عازمة على الانسحاب بالفعل من الشرق الأوسط، وأن عليه أن يتحرك فورا لملء الفراغ الجيوسياسي الذي يتحرك فيه "داعش" وأخواته الآن، ولأنه رجل واقعي فهو يدرك نقاط ضعف خصمه اللدود "أميركا"، ونقاط قوته أيضا، حيث إن السبيل الوحيد لانسحاب أميركي من المنطقة يحفظ ماء الوجه وبشكل برجماتي، هو تبادل السيطرة على الشرق الأوسط مع روسيا، فقد تقاسم كل من الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الصراع في الشرق الأوسط أثناء مرحلة الحرب الباردة، واليوم يمكن أن تتشارك الدولتان المنطقة أيضا، لكن دون صراع، ويبدو أن الرئيس باراك أوباما قد اتخذ قراره بهدوء، دون أن يدعم بوتين علنا، خشية اتهامه من المحافظين الجدد بالتفريط، لا سيما أنه لم يتبق على مدة رئاسته سوى 15 شهرا، وقد يضر الإفصاح عن اتفاقه مع بوتين بفرص حزبه الديموقراطي بالفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

على الجانب الآخر، فإن الوجود العسكري الروسي في سورية هو محاولة لتصحيح صورة الاتحاد السوفييتي السابق الذي هزم على يد المجاهدين الأفغان، وإحياء المشاعر القومية العميقة في المجتمع الروسي، وربما تكون هزيمة "داعش" في سورية أو بالأحرى النسخة الجديدة من العدو القديم في أفغانستان رد اعتبار حديث للجيش الروسي. 




تل أبيب تسعى إلى دفع واشنطن للمواجهة العسكرية

رغم أن الولايات المتحدة تدرك انعكاسات التدخل الروسي في الشرق الأوسط، إلا أن القلق الوحيد الذي ساور واشنطن وانعكس في جلسات العصف الذهني لأصدقاء إسرائيل داخل الغرف المغلقة، هو أن حلم إسرائيل الكبرى لن يتحقق، مع سيطرة روسيا على الأجواء والبحار في بلاد الشام.

هذا الواقع الجديد يلفه الصمت المكتوم الذي أصبح يزداد مع تزايد الوجود العسكري الروسي، بما يشبه الجدار الذي يجعل حلم إسرائيل مستحيل التحقق، لعدة أسباب من بينها أن إسرائيل لا تستطيع أن تخوض حربا الآن ضد روسيا، ولا يمكن أن تخوض الحرب في محيطها بعد تجربتها مع حزب الله في عام 2006، ولا يمكن أن تبتز أوباما، لأنه لن يخوض أي حرب مباشرة مع أي دولة كانت.

أضف إلى ذلك أن الخبراء الاستراتيجيين المناصرين لتل أبيب على دراية بأن المصداقية العالمية لإسرائيل في أدنى مستوياتها على الإطلاق الآن، وأن المجتمع الدولي إن عاجلا أو آجلا سوف يضغط عليها لتنفيذ حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، وهو مسمار مزدوج في نعش حلم إسرائيل الكبرى، ليس فقط في عدم قدرتها على توسيع أراضيها، ولكن أيضا لأنها سوف تضطر إلى التخلي عن أراض في حوزتها حاليا، ما سيقلص ويضعف إسرائيل جيوسياسيا للمرة الأولى منذ نشأتها عام 1948.

الحل من وجهة نظر إسرائيل هو دفع الولايات المتحدة للمواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، حتى لو أشعلت حربا نووية.