بأي ذنب سجنت سمر؟! وبأي ذنب استلبت الحرية والكرامة دون خطيئة ارتكبتها؟! بأي ذنب تقبع سمر خلف القضبان تتجرع الظلم والقهر؟! بأي ذنب تحشر مع زمرة الخارجات على القانون والمنحرفات؟! بأي ذنب تحرم والدة من رؤية صغيرها، والتحنان عليه وإحاطته بحبها؟! بأي ذنب توأد سمر معنويا ونفسيا وتشوه سمعتها وتنهش سيرتها الألسن؟! بأي حق تحرم شابة في الثلاثين من حقها الشرعي في الزواج وإحصان نفسها؟! بأي حق تعتقل سمر لمدة ستة أشهر دون محاكمة؟! وفي أي شرع أو قانون تتحول الضحية إلى مدانة، والمظلومة المثبت على أبيها تعنيفها إلى سجينة؟! وكيف يحكم قاضٍ على امرأة كل جريمتها أنها رفضت الظلم والاستغلال المادي؛ بعد أن حاولت مرارا مع أعمامها الوصول لحل مع والدها قبل اللجوء للمحاكم؟! لتفاجأ سمر وهي تحضر جلسة العضل بيد حكم العقوق تلتف عليها وتزج بها في السجن، جزاء وفاقا لها على التظلم وشكاية ولي أمرها المالك لها والمتصرف بأمرها!

مؤلمة قضية سمر ولا تقل عنها إيلاما قضية طبيبة المدينة، وهي أمثلة حية على ظلم المرأة وقهرها الذي لم يفلح معه حتى اللجوء للمحاكم؛ فالخصم هو الولي القادر - بمساعدة حكم قضائي- على قلب الأمور وتحويل قضية العضل إلى قضية عقوق، ثم يسلم بعدها الابنة العاصية ليسومها سوء العذاب! وأتساءل كم من فتاة معضولة تنتظر إفراج أب قاس عن شبابها، ستتوقف طويلا قبل أن تفكر في التظلم بعد واقعتي سمر والطبيبة؟! وهل سيرحم المجتمع فتاة أدى بها عضل والدها للانحراف، وألن يرجمها أهلها وتتعرض لرصاص جرائم الشرف لمجرد الشبهة كما حدث مع ريم ونوف العام الماضي؟

لا أشك لحظة واحدة في أن الإسلام كرم المرأة وساوى بينها وبين أخيها الرجل في الخلق والتكاليف والثواب والعقاب، ولكن هل أنصفتها مجتمعاتنا وثقافتنا؟! ولا عجب حين يضعنا للعالم اليوم تحت المجهر فيما يخص قضايا المرأة؛ خاصة والفضاءات المفتوحة تتناقل أخبار فواجع نسائنا في أسرع من ارتداد الطرف!

لا بد من تحرير مفهوم الولاية على المرأة والذي ران عليه ما ران من الإرث الفقهي "البشري" الذي يبتعد عن روح الدين ومقاصده الكبرى، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض كما يقول القرآن الكريم، فهل يعقل أن يكون ولي المرأة الراشدة طفلا صغيرا أو مراهقا غرا، أو حتى "أبا عاقا" تجرد من كل معاني الأبوة والإنسانية؟! فضلا عن أن الأنظمة المعتمدة الخاصة بالمحرم والولي تتناقض مع المواثيق العالمية لحقوق الإنسان التي وقعتها المملكة.

وأتساءل لماذا لا يسمح للمرأة الراشدة بتزويج نفسها منعا لهذه المآسي؟! والفقه الحنفي يجيز ذلك معتمدا على أدلة من الكتاب والسنة وعلى قراءة مختلفة عن باقي المذاهب.

تضع إشكالات عصرنا فقهاء اليوم أمام مسؤولية استنباط أحكام جديدة، لا تبرير أحكام الماضي وإعادة إنتاجها في زمن مفارق لها ومقتضيات تخالفها. فقه جديد هو المطلوب وإلا فالمزيد من المآسي بانتظارنا، لن يكون آخرها نفور شريحة كبيرة من الشباب من الدين؛ نتيجة لفقه عاجز عن تقديم حلول حقيقية لمشاكلهم!