تعتزم وزارة التجارة والصناعة حسب ما جاء في "الوطن" إجراء تعديلات جديدة على "نظام المحاسبين القانونيين، في خطوة تسعى من خلالها إلى معالجة الأخطاء الجسيمة وعمليات الغش والتزوير والتحايل التي أوجدت بيانات غير صحيحة في ميزانيات الشركات"، والتعديل الجديد للنظام يتمثل في تشديد العقوبات على المخالفين لأحكام النظام بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، بعدما كانت العقوبة السابقة تصل مدتها إلى سنة واحدة فقط.

واجهت مهنة المراجعة والمحاسبة في الآونة الأخيرة أزمة فقدان الثقة والمصداقية نتيجة تزايد الأزمات المالية والاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى تساؤل الناس من مستثمرين ومساهمين الذين أصابهم الضرر والخسائر من بعض الشركات، عن سبب عدم معاقبة المحاسبين القانونيين الذين قاموا بمراجعة القوائم المالية لتلك الشركات، وأبدوا رأياً حول عدالة التقارير المالية والحسابات، اعتمد عليها المستثمرون والدائنون في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

وفي هذا الصدد يقول (توماس ستيوارت) في كتابه ثروة المعرفة ما نصه: "لقد قضت المحاسبة التي نحبها منذ زمن طويل، ولم تدفن بعد.. فخلال الأعوام العديدة الماضية، ثبت وجود أوجه قصور في محاسبة العصر الصناعي مراراً وتكراراً.. المستثمرون يتعرضون للتضليل بانتظام.. والعالمون ببواطن الأمور (أي المديرين) استفادوا من معلومات لا يستطيع المستثمر العادي الوصول إليها"!.

إذا كان الهدف من مهنة المحاسبة هو إيصال معلومات ذات مصداقية إلى المستفيدين لاتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة، فإن هذا الهدف قد تغيّر اليوم عند البعض لتكون المهنة أداة من أدوات التلاعب وسرقة أموال الناس، فقد تم استغلالها في أهداف غير مشروعة، ناهيك عن عدم الاهتمام بها وبمخرجاتها، إضافة إلى عدم وجود الوعي الكافي بأهميتها سواء من قبل المستثمرين أو أصحاب الشركات.

كما أن المحاسبة أيضاً تعد من العلوم الاجتماعية، وبالتالي فإنها تستند على فرضيات ومبادئ في عملية القياس المالي والتي تعتبر لب العملية المحاسبية، ومشكلة القياس في المحاسبة ساعدت البعض في عملية تضليل المستثمرين والتلاعب في القوائم المالية والميزانيات.

ومن أشكال التلاعب والتضليل في القوائم المالية، تقوم بعض الشركات على سيبل المثال بالاعتراف بإيرادات وهمية في فترة محاسبية معينة على الرغم من عدم توافر شروط الاعتراف به وفقاً للمعايير المحاسبية، فقد تقوم إدارة الشركة بعمليات بيع وهمية عن طريق تزوير الفواتير أو التلاعب في أوامر بيع العملاء بزيادة الأسعار أو المنتجات المباعة.

أو تقوم بعض الشركات بالغش والتلاعب في الاستثمارات، والتي تشمل الاستثمار في الأوراق المالية التي تمثل حقوق ملكية مثل الأسهم، فتقوم تلك الشركات بالتصنيف الخاطئ للاستثمارات، مستغلة في ذلك معايير المحاسبة المتعلقة بتصنيف الاستثمارات في الأوراق المالية.

والأمثلة في هذا المقام، كثيرة ومتعددة، وبالطبع فإن غير المختص لا يستطيع الإلمام أو فهم جوانب الغش والتلاعب، لذا كان الاعتماد على المراجع القانوني في عملية مراجعة القوائم المالية؛ لمعرفة عدالتها من خلال توافقها مع المعايير المحاسبية وخلوها من الغش والأخطاء الجوهرية، فإذا تواطأ المحاسب القانوني مع الشركة، فقد ضاعت حقوق المساهمين والدائنين.

ولهذا فإن الحكومة في المملكة، تدخلت لتنظيم المهنة، فقد تم إنشاء وحدة خاصة في هيئة السوق المالية تعنى بشكل أساسي بعملية متابعة القوائم المالية للشركات المساهمة المدرجة في سوق المال، والتأكد من تطبيق معايير المحاسبة السعودية بدقة، كما تقوم الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين بمتابعة وتقييم أعمال الشركات المحاسبية، إضافة إلى تطوير معايير المحاسبة بما تتفق مع معايير المحاسبة الدولية، وتحسين النظم المالية للشركات المساهمة.

وعلى هذا الأساس، فإن تشديد العقوبات على المخالفين سوف يؤدي إلى زيادة حرص المراجعين القانونيين عند فحصهم للقوائم المالية ربع السنوية ومراجعة القوائم المالية السنوية، وذلك خوفاً من تطبيق تلك العقوبات، ولكن يبقى السؤال: ماذا عن التقارير المالية والحسابات في الجهات الحكومية؟

فكما يحصل تلاعب وغش وتضليل في حسابات الشركات، فكذلك يحدث في حسابات الجهات الحكومية، ولكن الفرق أن الجهات الحكومية لا يوجد فيها مراجع قانوني، ولا توجد عقوبات على من يقوم بالغش في التقارير والبيانات المالية.

صحيح أن النظام المحاسبي الحكومي يختلف عن النظام المحاسبي التجاري من حيث الأهداف والمعالجة المحاسبية والقياس، فالأول يخضع لأنظمة ولوائح، والثاني يخضع للمعايير المحاسبية المتعارف عليها، لكن يظل الغش والتلاعب في الحسابات موجودا في كلا النظامين.

فعلى سبيل المثال لا تلتزم بعض الجهات الحكومية بالأنظمة واللوائح المالية بسبب ضعف الرقابة، فتستخدم أسلوب صافي الحسابات، إذ يختفي جانب كبير من النفقات، ما يكون مدعاة للإسراف والتبذير في الأموال العامة من قبل هذه الجهات، ومن هذه الممارسات صرف جميع المخصصات المالية في نهاية السنة بأية وسيلة كانت، وإجراء المناقلات بين البنود دون وجود مبررات. ثم يأتي الفساد المالي والإداري كسبب مهم في زيادة الإنفاق الحكومي، والمتمثل في الاختلاس والرشوة وتضارب المصالح، وإساءة استعمال السلطة.

وفي كل سنة مالية، تصدر الجهات الحكومية الحساب الختامي لها، وهو عبارة عن إحصائيات مالية وليس قياسا محاسبيا بمفهومه العلمي، ولا يعكس الحساب الختامي في الحقيقة كيفية أداء وتنفيذ الميزانية، وتحرص الجهات الحكومية في الغالب على تطبيق شكليات التعليمات المالية، من خلال تعبئة النماذج الرسمية مثل جدول الإيرادات التقديرية والفعلية والفرق بينهما، وجدول مصاريف أبواب الميزانية والمنصرف الفعلي وتحديد الوفر، إضافة إلى قرارات إجراء المناقلات بين بنود الميزانية المختلفة.

فلماذا لا يكون هناك رأي لمراجع قانوني على الحسابات الختامية للجهات الحكومية حول مدى توافقها مع الأنظمة والتعليمات المالية، ومدى قوة أنظمة الرقابة الداخلية بها؟ ولماذا لا يكون هناك عقوبات مشددة على من يقوم بالغش والتلاعب في الحسابات المالية الحكومية؟