يوافق هذا اليوم الذكرى الرابعة عشرة لعملية الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، التي تم فيها اختطاف 3 طائرات أميركية مدنية وإسقاط اثنتين منها على برجي مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع (البنتاجون)، وأسقطت الطائرة الثالثة في ولاية بنسلفانيا قبل حصول أي كارثة.

كان حديث العالم خلال عقد ونصف مضى عن هذه الكارثة التي أفرزت كوارث أكثر حدة وتدميراً، ففي أعقابها ووفقا لمبرراتها تم غزو أفغانستان لضرب معاقل حركة طالبان الأفغانية، وتم في العراق إسقاط النظام العراقي الحاكم بقيادة صدام حسين، وإسقاط كل مؤسسات الدولة العراقية بما فيها الجيش، وتسليم القيادة في البلاد لأحزاب "ثيوقراطية" أشعلت العنصريات والحروب الطائفية والدينية.

غير أن زمام الأمور أصبح منفلتا أكثر من ذي قبل بعد حالة الثورات العربية التي أدت إلى نجاح ثورتي تونس ومصر في إسقاط رئيسيهما سلميا، كما نجحت ليبيا واليمن في إسقاط رئيسيهما بشكل مكلف جدا حوّلهما إلى دولتين فاشلتين.

أما ثورة سورية التي بدأت سلمية في الأشهر الستة الأولى من عام 2011 فحكايتها حكاية، إذ هي الحجر العثرة التي أوقفت "الربيع العربي" الموهوم وكشفت حقيقته؛ وذلك نتيجة ثلاثة عوامل رئيسة، الأول هو طبيعة النظام السياسي البوليسى المجرم الذي استخدم ضد الثائرين السلميين أقسى درجات العنف والقسوة والتوحش، والثاني هو تحول مسار الثورة من السلم إلى التسلح، وتدفق القوى الإرهابية في العالم إلى سورية في ظل غض النظام السوري الطرف عنها؛ ليثبت للعالم صحة ما يقوله بأن الثورة إرهابية، أما العامل الثالث فلا يقل أهمية عما سبق، وهو وقوع سورية نقطة ارتكاز للتنافس الدولي، لا سيما بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحلفائهما من جانب، وبين روسيا والصين وإيران من جانب آخر.

كل هذه الأحداث جعلت سورية دولة فاشلة، حيث نتج عن أحداث السنوات الخمس الماضية مئات الآلاف من القتلى، وملايين المهجّرين واللاجئين، وفقدان الدولة السورية للسيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها لصالح الجماعات الإرهابية وبعض الفصائل المسلحة للثورة.

يعود الحادي عشر من سبتمبر اليوم بعد أن كاد أن يطويه النسيان في ظل أحداث أنكى وأمرّ، وكأن خلاصة الأمر أن انتقام سبتمبر كان قاسيا تطلب إسقاط دول وأنظمة والملايين من القتلى والهاربين من جحيم الحروب الأهلية في العراق وسورية وليبيا واليمن التي تتهيأ اليوم للتخلص من الاحتلال الحوثي، بعد عملية عاصفة الحزم وإعادة الأمل اللتين قادتهما السعودية وخمس من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

يعود سبتمبر اليوم وقد حدث في العالم تحول في مفهوم الإرهاب نفسه، حتى إن بعض المقالات والصور والرسومات الساخرة بدأت تتحدث عن زمن الإرهاب الوسطي الجميل!

وهذا ينبئ بأن المنطقة العربية في الشرق الأوسط تعود إلى الحروب والاضطرابات المسلحة، ولكن بصبغة دينية/إسلاموية هذه المرة، هي أبعد ما تكون عن روح كل الأديان والإنسانية.

كما تعود ذكرى سبتمبر هذا العام بعد إنجاز الاتفاق النووي الذي أبرمته الولايات المتحدة والدول الأوروبية مع إيران، والذي يحول إيران من خانة العدو إلى خانة الشريك -إن لم نقل الصديق- وهي إشارة إلى الدور المهم الذي سوف تلعبه إيران مستقبلا، والذي قد لا يتضح إلا في منتصف العام الميلادي المقبل، والتي انتهت فيها مسرحية "الموت لأميركا" بمجرد أن سال حبر التوقيع النووي على ورق الاتفاق!

ويعود سبتمبر اليوم والعالم العربي يعيش حالة من التفكك والتراجع السياسي والاقتصادي والثقافي على المستوى الإقليمي والدولي، بينما تعيش دولة إسرائيل في المنطقة وكأنها في قارة أخرى عن مرمى نيران الإرهاب والاضطراب الاجتماعي والاقتصادي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوتها ووقوفها موقف المتفرج على ما يحصل، لكن هذا الموقف لن يستمر طويلا، إذ ربما تجد إسرائيل نفسها مضطرة في يوم من الأيام إلى قبول السلام.

غير أن ذكرى سبتمبر اليوم تعود وقد دفع العالم ثمنا باهظا لهذه الأحداث المتسارعة والمتلاحقة، التي جعلت منطقتنا أكثر توحشا، وجعلت حضارتنا على محك الفناء والبقاء في هذا المنعطف الصعب في التاريخ، وليس أمام الشعوب العربية وحكوماتها سوى أمرين لا ثالث لهما: الإصلاح والتوحد في وجه الموجة لصدها، فإن لم نكن يدا واحدة فسوف نصبح قريباً خارج مدار التاريخ.