من الأشياء النادرة في بيئات العمل وجود إدارة عادلة تقيم أداء الموظف على جهده وكفاءته فقط، دون النظر في تاريخه القبلي أو المذهبي أو تأخذها الظنون من أن في حرصه على التفوق مطامع شخصية؛ للظفر بمكانة ترى نفسها الأحق بها، وإن وجدت فهي بلا شك فريدة، بل لا بد أن ربانها يمتلك فكرا راقيا وثقة عالية في النفس لا تجعل من نجاح الآخرين شبحا يهدد سلطته؛ لذلك يجعل التصنيف مقياسه في الحكم على إنجازات موظفيه، وموظفاتها إن كانت إدارة نسائية وهي الأكثر مع الأسف تجييشا وتصنيفا، وتكوينا للخلايا المتشابهة نهجا وفكرا، والتي تعتقد فيها الحماية لعرشها من التهديد وتساعدها بما ترى أنه الأنسب لتبقيها ملتصقة بالكرسي مدى الحياة، لذلك لم يعد مفاجئا لنا أن نسمع عن إدارة جميع كادرها من قبيلة واحدة أو منطقة أو حتى فكر متطابق، وإن حصل وجاء من خارج هذا النطاق غريب، فمدة بقائه لن تطول.
قصص محزنة نسمع بها في بيئات العمل، بطلها مدير أو مديرة تغافلت عن تفوق موظفة، وتفانيها في عملها؛ لتستهدف خصوصيتها البعيدة والتي لا تهم أحدا إلا نوعية من المرضى بالشك بأنهم مستهدفون من قبل الآخرين؛ لذلك لا بد أن يكونوا على أهبة الاستعداد بالعدة والعتاد، وهنا لن يجدوا صعوبة في حياكة مؤامرة أو إلصاق تهمة، فهم في النهاية يمتلكون الحصانة الإدارية التي تبعدهم عن الشكوك وتمنحهم المصداقية.
الحقوق الوظيفية التي من أهمها الأمان الوظيفي مفقودة لدينا، والجهات التي قد يلجأ إليها الموظف؛ طالبا للإنصاف غير واضحة، إلا من إدارات المتابعة، والتي تجعل همها الأول ملاحقة الموظفين في وقتي الحضور والانصراف، غير ذلك هي ليست مسؤولة، بل تكون علاقتها مع رأس الهرم أقوى من أن تجعلها رقيبة على تطبيقه لمبدأ العدالة بين موظفيه.
في بعض الأحيان ترى أن الحظ خدمك في الحصول على عمل يتناسب وإمكاناتك وطموحاتك، ليأتي إبداعك فيه من واقع المحبة والاستمتاع، ووسط ذلك التألق تصطدم بصخور كبيرة تتحرك متكتلة؛ لتعرقل خطواتك، فأنت هنا أصبحت خطرا عليها لأن جهدك يكشف عيوبها، فهي لا تقوى على مجاراتك ولا تملك الجرأة لتصارحك بضعفها؛ لذلك ترى أن الحرب الباردة هي سلاحها الفاعل، لتبدأ في تطفيشك بما تستطيع من حيل، وعندما تصل إلى مبتغاها فعملية التخلص من موظف مهمل يثير المشكلات مع زملائه ورؤسائه خطوة سهلة، لا تتطلب إلا تقريرا سريا، وبعض التوقيعات للمعاونين المخلصين، ثم يغادر الظرف مختوما، ليعود محملا بالعقوبة الإدارية.. النقل التأديبي إلى أقاصي البلاد أو الحسم والتحجيم الذي لن تكبر معه أبدا.