غدا الإثنين بأمر الله -جل وعلا- نستقبل أول أيام شهر ذي الحجة، ولا أظن أن أحدا قد يتسلل إليه الشك في أن أجل المفاخر التي تفضل الله بها علينا في هذه البلاد المباركة؛ أن جعل ولي أمرنا خادما للحرمين الشريفين، وجعلنا خُداما معه لضيوف المسجد الحرام، والمسجد النبوي.. شرف كبير أن تحتضن بلادنا هذه الأيام هذه النفوس الطاهرة، التي لم تخرج من بلدانها إلا للبحث عن أقصر رحلة توصلهم إلى الجنة؛ وبدون أي توقف.. شرف وأي شرف أن نفتخر بأن الواحد الأحد -سبحانه وتعالى-، وبفضل منه سخرنا لتنظيم هذه الدورة المليونية السنوية، التي لا هم لأي أحد منا إلا تمكين المشارك فيها من تأدية نسكه، وتسهيل أموره، وتحقيق طلباته، وفق ما يرضيه.

يصعب عليّ أن أقوم بإحصاء الجهود التي تبعث في النفس قيمة أن يكون بلد الإنسان حاضنا لضيوف الرحمن؛ دون جولة رقمية عامة، مرتكزة على إحصائيات علمية شاملة ودقيقة عن أعداد الحجاج حسب طرق وأيام قدومهم.. وعلى سبيل السرد: يتم حصر حجاج الخارج عن طريق المديرية العامة للجوازات، التي تقوم بحصرهم، وتزويد مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات بعددهم، موزعين حسب الجنس، والجنسية، وتاريخ وطريقة القدوم. ويتم حصر حجاج الداخل عن طريق موظفي المصلحة؛ حيث يقوم الموظفون في المراكز المساندة، والذين يتم توزيعهم عادة في مواقيت الإحرام، وبعض المواقع الأخرى في مدينة جدة، والطائف، والمدينة المنورة، بتزويد سائق كل مركبة تحمل حجاجا من الداخل ببطاقة تشتمل على نوع السيارة، وعدد حجاج الداخل، موزعين حسب الجنس، والجنسية بحيث تسلم هذه البطاقة للموظفين الموجودين في المراكز الرئيسية على مداخل مدينة مكة المكرمة، وتتولى وحدات التسجيل في المراكز الرئيسية تفريغ هذه البطاقات، وتجميعها، ومعالجتها في الحاسب الآلي، ثم تعد على ضوئها التقارير اليومية؛ وبطبيعة الحال لم يغب عن المهتمين بالخدمة إحصاء الحجاج من مدينة مكة المكرمة، وهذا يتم على ضوء الدراسات الميدانية التي تجرى بين حين وآخر، على عينة من الأسر في مدينة مكة المكرمة؛ بهدف التعرف على نسبة الحجاج منها، ثم يضم هذا العدد، إضافة إلى الحجاج القادمين من بقية مناطق المملكة مع إجمالي حجاج الداخل.

رقميا وخلال السنوات العشر الماضية، لم يقل إجمالي عدد حجاج موسم الحج عن (1980249) حاجا، ولم يزد على (3161573) حاجا، والمخطط له خلال السنوات الخمس المقبلة -بحول الله تعالى- أن يصل العدد حسب التصريح الرسمي إلى (5000000) حاج، يلزمهم جميعا أن يكونوا في وقت واحد، على صعيد واحد لا تتجاوز مساحته (13 كلم2) -ثلاثة عشر فقط-، ثم يخرجون منه في وقت واحد أيضا لقطع مسافة واحدة قدرها (17 كلم) -هي المسافة بين مشعر عرفة، ومشعر منى، مرورا بمشعر مزدلفة-.

لن أحسب الأمر بالمنظور البشري؛ فمنة الله واضحة في إمداده -سبحانه وتعالى- للمسؤولين والمخططين والباحثين والدارسين بالتوفيق في تقديم خدمات متكاملة لحجاج بيت الله الحرام؛ هي -كما ذكرت- أعظم مفاخرنا، التي تجعلنا شامة وسط غيرنا، وتزيدنا تواضعا، وتطلق ألستنا حمدا وشكرا لخالقنا الذي نسأله سبحانه أن يزيدنا معرفة بقيمة وطننا، الذي لا يشاركه غيره في هذا الشرف، وهذه الأمانة، وهذه المسؤولية.

خاتمة: دمعت العيون، وحزنت القلوب على من قضى، أو أصيب بسبب فاجعة سقوط رافعة المسجد الحرام، رحمهم الله، وشفى مصابهم.