تأسست النظرية الشيعية على مفهوم (المظلومية) مستندة إلى حادثة كربلاء واستشهاد الحسين بن علي، رضي الله عنه، وبها كسبت المعنى الأخلاقي لوجود التشيع واستمراره وفي جلب التعاطف معه، وقد بني الوجدان الشيعي على هذا المفهوم حسيا بمواكب العزاء السنوية، وثقافيا حيث تطغى مسحة الحزن على كل مظهر خطابي في النسق الثقافي الشيعي، في الشعر والمواويل والمنابر وصيغ التعبير كافة، وبذا صارت المظلومية هي المكون البنيوي للمعنى الشيعي، وكان لهذا الشعور أن يتعمق ويتقوى على الزمن تحت مفهوم المهدي المنتظر الذي يرفع المظالم ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، وكان أهم ما يشغل الفكر الشيعي هو فترة انتظار الإمام، وكيف يرتبون حياتهم السياسية والدينية إلى يوم ظهوره، وكثرت الكتب والنظريات التي تقوم على فكرة وعنوان (انتظار الإمام) حتى جاء الخميني وعزز نظرية الولي الفقيه، أي النائب الظرفي عن إمام الزمان حتى تحين لحظة الظهور المرتقب.

هنا يتضح أن النظرية الشيعية تقوم جوهريا على معنى أن الشيعة هم أهل المظلومية تحديدا وحصرا، وأنهم حاملو الوعد بتحقيق العدل. وهذان معنيان ظلا في دائرة مغلقة داخل البيت الشيعي، على الأقل عربيا، حتى جاء عام 2003 حيث سقطت بغداد ودخلت الأحزاب عبر البوابة الشرقية لتحطم تمثال صدام وتملأ ساحة الفردوس برايات النصر والفتح، وتتولى الأحزاب الشيعية تحديدا الحكم في العراق لأول مرة منذ قرون، وهذا تعبير قالوه ورددوه مما حول الحدث لينصرف من كونه خلاصا من دكتاتورية إلى كونه مشروعا شيعيا وليس وطنيا، تماما كما حدث مع انحراف ثورة إيران من ثورة وطنية إلى ثورة خمينية، وهو الأمر الذي أثار نقاشا لي مع عدد من الثوار الشيعة حينها في لقاء على هامش مؤتمر في الكويت، حيث لاحظت أنهم يتكلمون بحماس مندفع ليس عن انتصارهم على صدام، بل يزيدونه في نغمة ثأرية تجنح إلى اتهام العرب السنة (كل العرب السنة) بتواطئهم مع الظالم، ليس في حالة العراق فحسب، ولكن التهمة في لغتهم ولهجة تعبيراتهم تعم تاريخ السنة وثقافة السنة وأهل السنة على مدى التاريخ كله.

أحسست بالصدمة لحظتها لأني لم أتصور قط أن تكون مظلومية الحسين مادة لنزاع سياسي معاصر ومع ثورة للتو انبثقت في العراق، ذاك لأن مظلومية الحسين تضرب في أعمق أعماق كل مسلم باتفاق كلي ومطلق وما كانت قط بندا حزبيا ولا طائفيا، ومن الطبيعي في لحظة كهذه أن يبرز أمامي التساؤل عن احتكار (بعض) أهل الإسلام لهذه المظلومية ويحصرونها فيهم وعليهم، وهو سؤال يطرح نفسه ويطرح جوابه تلقائيا دون اجتهادات.

تبعا لهذا وتجنبا للافتراضات طرحت في تلك الجلسة، فكرتي بأن الشيعة على موعد تاريخي لإنقاذ الأمة من أمراضها وتقريب فرصة الوعد الموعود عن عمران الأرض بالعدل، وكما تشعرون بقوة المظالم عليكم فإن المنتظر منكم هو الوجه الآخر للمظلومية، وهو (رفع المظالم بمسحة العدل) وقد سجلت هذه المحادثة في كتابي الفقيه الفضائي (الفصل السابع). ما الذي جرى بعد عام 2003!

لم ير العراق العدالة، بل تكاثرت المظالم حتى تحولت المظلومية التاريخية إلى ظالمة تمارس ظلما عصريا وواقعيا، ولم تعد فكرة في بطن كتاب، وهنا تنهار النظرية من أساسها الأخلاقي، وإذا أصبحت المظلومية ظالمة فإنها تفقد كل مبرر أخلاقي لها وتصبح مثل غيرها من الظلمة الذين يملؤون التاريخ، وهنا لن يكون الوعد الشيعي كما هو المأمول ولن يملأ الأرض عدلا، ولكنه سيأخذ دوره في ملحمة الظلم المتصل.

ولا شك أن إيران قد استغلت هذا الظرف المتاح لها فباشرت في تحقيق مشروعها لتصدير الثورة والناتج لهذا هو توحش الثقافة العربية، وتحول المظلومون إلى ظلمة، حتى صارت نظرية الثأر أقوى من نظرية المظلومية، وتردد شعار (لبيك يا حسين) ليكون عنوانا لكل مواجهة سياسية وحربية وتصارعية في المنطقة، وقد تم إعلانه رسميا في تحريك الحشد الشعبي في العراق. وترسم بما إنه هو التفسير الأبرز وراء كل سلوك سياسي وعسكري.

ونحن اليوم نمر في حال من التوحش الثقافي يسود كل خطاباتنا كنتيجة لمشروع تصدير الثورة الخمينية، ويتكشف هذا في وجوه ستة هي:

1 ـ ما دخلت إيران إلى بلد عربي إلا وحل فيه الدمار (العراق، سورية، اليمن، لبنان)، وقد قاله زعماء إيران مفتخرين باحتلال أربع عواصم عربية، وإن حدود إيران تمتد إلى شواطئ بيروت، وهذه مساحة جغرافية عربية تعاني اليوم من التفكك والتدمير والحروب الأهلية، وتسود فيها شعارات التناحر حتى صارت العائلة الواحدة منشطرة على ذاتها، وصارت كلمات شيعي/ سني سببا للموت أو التهجير أو العزل الاجتماعي والسياسي والثقافي، حتى على مستوى الصداقات الفردية.

2 ـ انكسرت فكرة الدولة الوطنية في كل بلد تدخله إيران لدرجة أن الحكومة فيه لا تكون حكومة للشعب كله، ولكنها حكومة لفئة في حين أنها عدوة لفئة أخرى، ولا تأمن أن يكون في جيشها ولا أمنها ولا بنوكها ولا سياستها الخارجية إلا شخصيات من طائفة تحددها مقاصد مشروعات إيران، حتى صار قاسم سليماني يتردد بين العواصم الأربع ليشرف بنفسه على كل مسارات الحكم فيها ويقود بنفسه جبهات القتال، في الرمادي، وفي دمشق، ومر على صنعاء، والضاحية جنوب بيروت؛ ليثبت المعنى المطلوب بإرادة الحرس الثوري الإيراني، وهو الحاكم الفعلي لهذه البلدان بما أن القوة بيده والقرار النهائي بيده.

3 ـ في هذه البلدان تحديدا تشهد عيانا انشطار الدلالات الثقافية، فتسمع عن تسميات من مثل (حزب الله) و(أنصار الله)، وهي شعارات عظيمة الشأن، ولكن لو نظرت في الأفعال لوجدت أفعالا تنتمي لمعاني القتل والسحق والإقصاء، ومثلها شعار حماية المقدسات الشيعية في دمشق وحماية القرى اللبنانية في سورية (لاحظ عبارة القرى اللبنانية في سورية ـ كما قالها حسن نصرالله في أول خطاب له عن سبب إرساله لجنوده إلى سورية)، ثم ترى أن الذي يضرب ويدمر هي مدينة القصير في حمص، ومنطقة الزبداني جنوب سورية وحلب في الشمال، ويأتيك تصريح متناقض مع تلك الشعارات في قول حسن نصرالله في خطبة له بأن نظام بشار كان على وشك السقوط لولا تدخل حزب الله، وبفارق ساعات (حسب تقديره الذي نص عليه في خطابه). وكذا سترى الحوثي (أنصار الله) يعلن أنه يحارب الإرهابيين في اليمن، ولكن الذي يدمر هي مدينة تعز وعدن، ويجري تهجير الناس ومنعهم من الدواء والغذاء مع قصف المستشفيات بقنابل أنصار الله.

هنا حالة التوحش والانشطار بين التسميات والتصرفات.

4 ـ يقع توحش ثقافي متصل يوميا بأن يجعلك أنت بذاتك بين ثنائية (أنا/ إيران)، فإما أن تقبل بتصرفات إيران أو تغض الطرف عنها لكي تظل في أمان ثقافي، أو فإنك ستكون عرضة للوصف بأنك طائفي، وهذا وصف يمتد ليعني أنك ضد الحسين وأنك تناوئ آل البيت (وهي عبارة تتردد عند المالكي في العراق مثلما عند حسن نصرالله والحوثي، وإعلامهم الموالي لهم)، وبالتالي فأنت مع الباطل وضد الحق، وكل هذا لمجرد أن تنتقد سياسات إيران في المنطقة العربية. وستصبح حينها في معجم الشيطان، وستكون درجتك من الشيطانية حسب درجتك في الخطاب النقدي.

5 ـ من الواضح أن الضرر الإيراني لا يميز بين شيعي عربي ولا سني، وكل من لم يوافق مراد إيران فهو داخل في معجم الشيطنة، جرى هذا في استبعاد مؤسس حزب الله (الطفيلي) وفي طرد علي الأمين وعائلته من جنوب لبنان، وفي اغتيال محمد باقر الحكيم في النجف الشريف، وفي محاصرة محمد حسين فضل الله، حتى حاصروه بعد موته ومنعوا التعازي به في إيران، وكذلك يجري التكتم على اسم محمد مهدي شمس الدين ومنع تداول اسمه وكتبه وآرائه، وكل هذا لأنهم ليسوا مع المشروع الإيراني ويرون أن للوطن العربي حقه وشرطه الذي لا يقبل التسليم بإرادة ومراد إيران.

6 ـ من أخطر الأمثلة الكاشفة على تعمد تفجير الأوضاع هو ما حصل في تفجير المراقد الشيعية في سامراء، وسامراء منطقة سنية في العراق وتحتضن مراقد شيعية ظلت بسلام وأمان وصيانة على مدى قرون، ولكن فجأة حصلت تفجيرات دمرت المراقد وقامت فتنة شيعية/ سنية أشعلت كل المشاعر والنفوس، وهذا أمر متوقع، ولكن غير المتوقع هو أن يتضح بعد حين أن التفجير كان بتدبير إيراني، وهذا كشف أعلنته وجوه شيعية ورفعت صوتها بالتنبيه والتحذير، وهذا يعني أن مشروع تصدير الثورة قرر أن يسلك كل الطرق، حتى غير المتخيل منها من أجل خلق بيئة يستطيع أن يتسلل عبرها بما إنه البطل المنقذ للشيعة المظلومين ضد ظالمهم التاريخي، وسيسعى إلى كسب أي دليل يعينه على هذا.

هذه ست صور لحال التوحش الثقافي الذي حل بثقافتنا نتيجة لثنائية (نحن/ إيران) حتى صار مجرد طلب الأمن والأمان في شوارع بغداد أمنية كبرى وحلما يوميا، وكذا طلب قيام حكومة في لبنان صار أمرا من أشق الأماني، وطلب حرية لشعب سورية هدفا لا أحد يعرف كيف يجده. وهكذا ما حلت إيران في بلد عربي إلا وحل فيه الدمار. والوقائع هي التي تقول وتسجل هذه الحقائق المرة.

وهنا فإن تصدير الثورة أفضى إلى تفريغ المعنى الشيعي من جوهره وحوله إلى (ظالمية) عوضا عن أن يكون (عادلية).