تعد الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وقد اختلف فقهاء المسلمين حول الحكمة من مشروعيتها، إلا أنهم حاولوا اختصارها في مجموعة من الأحكام منها على سبيل المثال: اقتداء بأبينا إبراهيم عليه السلام الذي أمر بذبح فلذة كبده، فصدَّق الرؤيا، ولبّى، وتلّه للجبين، فناداه الله وفداه بذبح عظيم، وفي ذبح الأضاحي إحياء لهذه السنة، وتضحية بشيء مما أفاء الله على الإنسان. إضافة إلى أنها توسعة على الناس يوم العيد، فحين يذبح المسلم أضحيته يوسع على نفسه وأهل بيته، وحين يهدي منها إلى أصدقائه وجيرانه وأقاربه فإنه يوسع عليهم، وحين يتصدق منها على الفقراء والمحتاجين فإنه يغنيهم عن السؤال في هذا اليوم الذي هو يوم فرح وسرور.
وعلى هذا الأساس، فإن الأحكام الفقهية الخاصة بالأضحية لا تتعدى شروط الذبح وأوقاتها وكيفية توزيعها، وهذه الأحكام في الحقيقة مأخوذة من الموروث الفقهي القديم حتى نتج عن ذلك التضييق على المسلمين لتطبيق هذه الشعيرة، ومن أهمها، ارتفاع أسعار الأضاحي، حتى أفتى الفقهاء في جواز الاقتراض من الغير!
وليس هذا وحسب، بل نتج عن الأحكام الفقهية القديمة آثار سلبية عدة من أهمها إهدار الثروة الحيوانية، وسوق تجارية سوداء، وبيع لحوم الأضاحي على المطاعم ناهيك عن تلويث البيئة وانتشار الأمراض.
ولقد لاقت شعيرة الأضحية انتقادات واسعة في البلاد غير الإسلامية، واتخذت هذه الانتقادات للأسف وسيلة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في ظل صمت فقهاء المسلمين والاكتفاء بالقول إن ذلك جاء من أعداء الإسلام لتشكيك المسلمين في دينهم عدوانا وحسدا من عند أنفسهم!
للأسف الشديد، فإن اجتهادات العلماء حول الحكمة من الأضحية، ليست عقلانية وهي في الحقيقة محاولة للرد على من يقول إنها مأخوذة من العادات الجاهلية الوثنية القديمة، لذا كان هذا الاجتهاد بعيدا عن المنهجية العقلانية العملية، وإنما كان مجرّد ردة فعل غاضبة، والدليل على ذلك أن العلماء الأولين لا يتطرقون إلى تفسير الغايات من العبادات، ويؤكدون على أنه لا توجد عقلانية فيها!
والمقصود بالعقلانية العملية هنا: تناسب المنهج أو الوسيلة مع الهدف، بمعنى أن تكون الشعائر وسيلة معقولة لتحصيل غاية معينة، فشعيرة الأضحية لا بد من خلال أدائها أن تؤدي إلى غاية معينة ومحددة، والمنهج العام عند العلماء بأن الحكمة من مشروعية العبادات علمها عند الله فهي من المسائل الغيبية، وعلى المسلم أن يؤدي هذه العبادات امتثالا لأمر الله وحسب حتى ينجو من عذاب النار.
والحكمة العامة عند العلماء، أن الهدف من العبادات تتمثل في تقوى الله، ومعنى التقوى هنا أن يجعل المسلم بينه وبين عذاب الله وقاية، وعلى هذا الأساس فإن الحكمة من الأضحية هي تقوى الله عزّ وجل.
وإذا أردنا أن نفهم بوضوح الحكمة من مشروعية الأضحية، فمن الضروري في البداية الرجوع إلى تاريخ الإنسانية القديم، وكذلك البحث عن مفهوم الذبح في الأديان الأخرى، ومقارنة ذلك بما جاء في القرآن الكريم؛ حتى نصل إلى المفهوم الأقرب إلى الحقيقة في النص الديني.
في البداية، كانت أغلب شعوب العالم تمارس التضحية بالبشر في مرحلة ما من تاريخها، فقد عرف السومريون والفراعنة والكنعانيون والصينيون التضحية بالبشر وكذلك عرفته القبائل الأوربية في العصور القديمة وشعوب وحضارات أميركا الجنوبية كالمايا وألانكا والتولنك والازتك، فجميع هذه الشعوب مارست التضحية البشرية وكان الازتك أكثرها ممارسة لهذه العادة من حيث العدد.
وبناء على ما سبق، كانت قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام، تحكي عن تجاوز القربان البشري والارتقاء بالفكر الإنساني عما كان عليه من جهل وظلام فكري، فالنبي إبراهيم معروف بميله إلى التدبر والتفكير، وقد اهتدى في النهاية إلى النور بعقله، فكان من البديهي أن يتمرد على عادات من سبقوه وعن ممارساتهم البدائية كعبادة الأصنام وتقديم القربان البشري.
وفي اليهودية، رجع المضمون الحقيقي والجوهري للذبيحة والقربان كفكر ومعنى ظل على نفس ما أسسته العقائد الوثنية السابقة كافة، فالذبيحة هي من أجل غفران الخطايا وطرد البلاء والكوارث وطلب المعونة والدعم، وفي المسيحية ألغت فريضة تقديم الأضحية بذبح الحيوانات، وليس معنى ذلك أنها لفظت منهجية الذبيحة والدم، بل على العكس أسستها وبنت عليها الفكر اللاهوتي المسيحي، لتتحول فكرة الذبيحة والدم فلسفة حجر زاوية وليس فعلا طقسيا قد يواريه النسيان؛ ليتغلغل منهج الفداء عن الخطيئة بالدم المسفوك في كل ثنايا الفكر المسيحي، فلقد تحول الحمل الذي يُسفك دمه إلى المسيح كقربان أعظم.
وبعد هذه الانحرافات، رجعت عادات ذبح الحيوانات وتقديمها قربانا للأصنام بنفس الفكر القديم، وكانت تذهب لحوم الأضاحي إلى كهنة المعبد الذين كانوا يستغلون عواطف الناس، فكانت مفيدة ماديا لتجار المواشي والكهنة على حد سواء.
ثم جاء الإسلام لتصحيح هذا الفكر الوثني، فنجد في الآية 37 من سورة الحج قوله تعالى: "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ"، ومعنى هذه التقوى نجده في الآية 28 من نفس السورة في قوله تعالى: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ".
فالتقوى المطلوبة من الأضحية، هي إطعام المحتاجين والفقراء والمساكين، ومساعدة الفقراء والمحتاجين هي الأضحية أو التضحية الحقيقية التي تقدم قربانا إلى الله عزّ وجل.