بدءا عزاؤنا لقيادتنا ولأسر الشهداء الذي توفاهم الله في مطاف الحرم المكي الشريف، بعد سقوط إحدى الرافعات العاملة في مشروع التوسعة الكبيرة -بقضاء الله وقدرته- إثر شدة الرياح والأمطار التي هطلت على الديار المقدسة، وقبلها بأيام أعلنت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أن حجاج بيت الله الحرام سيطوفون -بإذن الله- هذا العام في المطاف الجديد، وهو الدور الثالث الذي أُنجز بإكمال العام الثالث، ووصلت مشروعات الملك عبدالله -رحمه الله- باكتمال المطاف إلى أن ودع المسلمون الضَّائقة التي كان الحجاج يحملون لها ألف حساب عند دخولهم الحرم المكي.
وقد شاهدت هذا الإبداع في المطاف من الدور الأرضي والأول والسطح، ورأيت اكتمال الدائرية التي طالما أصبح الحجاج يحلموْن بإنجازها، فها هي اليوم في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- تقدم على أنها أحد مشروعات الحرمين الشريفين التي جعلنا الله لها خداما على مدى العهد السعودي الزاهر، وفاخر ملوك هذه الدولة بأنَّه شرف لهم خدمة الحاج والمعتمر والزائر لهذه الديار المقدُسّة التي أعزها الله بأم القرى ومن حولها.
اكتمال منظومة المطاف كان وعدا تحقق في وقته وزمانه، ونعُم الحاج الكريم به هذه الأيام، وأن هذه الديار المباركة ليسعدها أن يضاف هذا الإنجاز إلى بقية المشروعات التي يعمل عليها ليل نهار؛ لتحقيق الراحة والطمأنينة للحجاج، فالقصة بدأت ولم تنته، إذ رأينا -عبر سنوات مضت- كيف شُقت الأنفاق وذلُلّت الطرق الدائرية أمام حركة المرور، وجندت الرجالات بمختلف مهنهم لخدمة ضيوف الرحمن منذ دخولهم أجواء المملكة ومنافذها البحرية والبرية، فيما السعادة عنوان كل مواطن سعودي جعل خدمة الحاج شرفا له، فكيف إذا كان هذا الركن هو أحد أركان الإسلام الذي يبذل فيه الحجاج كل ما لديهم ليصلوا إلى هذه الديار؟
قصة المشروعات في الديار المقدسة عنوان القيادة في المملكة بدءا من توسعة ملوك هذه البلاد إلى أكبر توسعة عرفها التاريخ، وهي توسعة الملك عبدالله -رحمه الله- ثم رعاية الملك سلمان -حفظه الله- لعدد من المشروعات في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما تبعهما في المشاعر المقدسة من توسعة للجمرات ومزدلفة وقطار الحرمين والمطارات الدولية في جدة والمدينة المنورة، لدليل على أن ملوك هذه البلاد هدفهم خدمة ضيوف الرحمن، فهي منظومة متكاملة لإسعاد الحجاج وكونهم ينَعْمون بالراحة والطمأنينة.
وبعد هذا يأتي دور الحاج في الاستفادة من هذه المنظومة وأداء هذا النسك العظيم وتطبيق أنظمة الدولة في إخراج هذا الحج العظيم بأنقى نسك والحصول على الثواب والأجر من الله، حتى يُباهي الله بالحجاج ملائكته، عندما يقفون على صعيد عرفات، وعند المشعر الحرام، ويطوّفوا بالبيت العتيق.
إن اكتمال هذه المنجزات المباركة ينبغي أن يضيف للحاج الراحة والأمان والطمأنينة والتفرغ لأداء هذه المناسك التي يختمها بعض الحجاج بالاطلاع على معالم المدينة المنورة والمساجد الأثرية، والتشرف بالصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم.
إنني أدعو لكل حاج بالقبول والسعي المشكور، وأن تكون رحلة العمر رحلة سعادة يحمل معها الحاج أجمل الذكريات عن بلاد الحرمين وأهلها الذين جعلوا هذا الركن عنوان الشرف لكل مواطن يسهم في خدمة الحجاج، وفي طياته الدعاء بالقبول لكل مسلم أن يجعل حجهم مقبولا، وسعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا، وأن يتغمد شهداء حادثة الحرم الأخيرة بواسع رحمته.