أمام هذه الويلات العربية الكبرى التي تمزق منطقتنا وتدمر دولنا وتهجر شعوبنا، لا بد لنا من العمل على إعادة رسم المشهد السياسي في المنطقة على أسس موضوعية مرئية وملموسة بعيدا عن الاجتهادات والتهيؤات والحديث عن المؤامرات. وواقع الحال يستدعي أن نقرأ كل تفصيل على حدة، وأن نبني سياقا انسيابيا لتطور الأحداث من أجل الوصول إلى مشهد واقعي نستطيع من خلاله معرفة الحقائق والوقائع والتعامل مع أسبابها ونتائجها في آن.
عاشت المنطقة منذ عام 1947 حتى عام 1982 على موضوع مركزي واحد وهو قضية فلسطين، بدءا من القرار الأممي لتقسيم فلسطين رقم 181 عام 1947 وقيام دولة إسرائيل، إلى حرب فلسطين والنكبة الكبرى عام 1948 مرورا بالعدوان الثلاثي عام 1956 إلى نكسة يونيو 1967 واحتلال القدس الشريف والضفة الغربية وسيناء والجولان، إلى حريق المسجد الأقصى في عام 1969 وقمة الرباط وتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى حرب أكتوبر 1973 إلى أحداث لبنان عام 1975 إلى عملية السلام "كامب دافيد" بين مصر وإسرائيل عام 1978 والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
جاءت الثورة الإيرانية في عام 1979 لتطرح إشكالية جديدة على المنطقة، وذلك بالتزامن مع خروج مصر من جامعة الدول العربية وقيام جبهة الصمود والتصدي في قمة بغداد، وانتقال الجامعة العربية إلى تونس وإعلان إيران تصدير ثورتها باتجاه المنطقة، متخذة من شعار تحرير القدس غاية لاختراق منطقتنا ودولنا. وقد وجد هذا الشعار صدى لدى المجموعات المأزومة والمهزومة.
عملت إيران منذ اللحظة الأولى على اختراق المجتمعات العربية مستفيدة من مكانة القدس لدى العرب والمسلمين جميعا لتقدم نفسها صديقا لشعوبنا ومنطقتنا، وبدأت بالسعي إلى التدخل في الداخل العربي بدءا من العراق دولة الجوار الإيراني والتي كانت بمثابة قوة عازلة لتدخل إيران التاريخي في المنطقة. فكانت حرب الخليج الأولى التي أنهكت العراق وهددت المجتمعات العربية بصراع جديد.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت واحتلال الجنوب؛ ليشكل ذلك سببا إضافيا لتوسع دور إيران في المنطقة وبالذات في الجنوب اللبناني. ثم جاءت حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت وحصار بغداد وتفكك العراق؛ ليعطي إيران مزيدا من النفوذ والتدخل. ثم كان انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني عام 2000 مما اعتبر انتصارا لإيران على إسرائيل. ثم كانت حرب أفغانستان في عام 2001 والتي ساعدت إيران فيها واستفادت منها مزيدا من النفوذ والحضور والتدخل في الشؤون الداخلية العربية.
كانت حرب الخليج الثالثة واحتلال العراق عام 2003 قمة الانهيار للاستقرار العربي؛ لما خلفته من تفكك الدولة والمجتمع العراقي وتهجير الملايين من العراقيين خارج وطنهم. وهذه الحرب التي شنت خلافا للإرادة الدولية وبالتكافل والتضامن بين أميركا وإيران والتي بلورت الغاية القصوى من وظيفتها في المنطقة، وهي إحداث الفوضى الخلاقة في كل الأقطار العربية بدون استثناء. ولا داعي للتوسع بالأحداث التي وقعت من هنا وهناك إلا أن ذلك بدا واضحا مع بداية الربيع العربي الذي استبق بسحق الثورة الخضراء في إيران عام 2009، فجاء الربيع العربي ليشكل الفرص الفضلى لتعميم الفوضى الخلاقة في كل المنطقة العربية بدون استثناء، ولا نحتاج إلى أي إثبات أو دليل على تورط إيران في زعزعة استقرار كل الدول العربية من سورية إلى العراق، اليمن، مصر، تونس، ليبيا، لبنان، السودان وإلى فلسطين. ويصح القول في أن سلوك إيران في المنطقة هو بجعل "العرب عربين" في كل مكان.
الآن وبعد كل ما حدث ويحدث، وبعد الاتفاق الدولي بين أميركا وإيران والذي كان بمثابة هدية من الولايات المتحدة لإيران على نجاحها في إحداث الفوضى الخلاقة المدمرة التي بدأت شظاياها تطال كل العالم، وبالذات إيران التي تواجه حصاد الفوضى التي زرعتها في مجتمعاتنا. وخير دليل على ذلك ما يحدث في العراق الذي كان يجب أن يكون دولة آمنة ومستقرة في أحضان إيران وجوارها، فإذا به الأكثر فوضى والأكثر عنفا، خصوصا ما نشاهده من نزاع داخل البيئة العراقية الموالية لإيران. وهذا ما يحتم على إيران أن تواجه الثورة الخضراء العراقية التي يستحيل سحقها كما جرى في إيران؛ لأن أسبابها واضحة وهي الفساد والتسيب والفوضى التي أدارتها إيران في بيئة أصدقائها العراقيين. والمضحك المبكي هو أن إيران الآن تسعى إلى عقد تسويات للحرائق التي أشعلتها في كل من سورية واليمن والعراق ولبنان من أجل سلامة مناصريها ومؤيديها، بعد أن استخدمتهم أسوأ استخدام، وتحاول فتح حوار مع المملكة العربية السعودية حاضنة الاستقرار والأمن في المجتمعات العربية، بعد كل ما قامت به إيران منذ عام 1979 حتى الآن من اختراقات وحروب وتصدعات. وهذا ما يجعلنا نعتقد بأننا أمام خريف الفوضى الإيرانية وربيع الاستقرار العربي.