أصبح نقد الأفكار الأيديولوجية ضرورة، خاصة بعد الكثير من الأزمات التي تحصل بسببها، ولعل العالم العربي ما زال في طور التشكل المعرفي إذا صح التعبير، أي أنه ما زال يبحث عن أرضية معرفية تضعه في مصاف الكثير من الأفكار العالمية دون الخشية من فقدان الهوية، وبرأيي أن عملية النقد المتواصلة في كل الخطابات بلا استثناء هي العملية الأقرب إلى إمكانية التكوين المعرفي الخاص، وهذا ما شرع فيه عديد من المفكرين العرب، ولعل المفكر علي حرب هو الأبرز من بين جميع المفكرين العرب الذين يعملون على تفكيك بنية التخلف في الفكر العربي، لكن يبرز منهم هذا المفكر في نقده لجميع المشروعات الثقافية العربية من أصولية أو تقدمية. فكر تقليدي أو فكر تنويري. الجميع تقريبا في منهجه التفكيكي لا يسلم من النقد المعرفي لمحاولة هدم جميع محاولات التصنيم الفكري، ولذلك ليس من العجيب أن يسمي أحد كتبه بـ"أصنام النظرية"، ففي كتابه "الأختام الأصولية والشعائر التقدمية" يقول علي حرب: "في العالم العربي يعاني المشروع الثقافي والحضاري أزمة مضاعفة، من حيث علاقته بعناوينه الكبرى كالتقدم والحداثة أو التحرر والتنمية. تشهد على ذلك مصائر هذه الأفكار التي تترجح بين التعثر والتراجع أو بين الفشل والإخفاق، ومكمن الأزمة في قوالب العقل ومسبقات الفكر في إنتاج العوائق والموانع التي تتردد بين هواجس الهوية وتجنيس المعرفة، أو بين التهويمات النضالية والمعالجة الطوباوية، أو بين الأختام الأصولية والشعائر التقدمية. باختصار بين أفكار الداعية التراثي وأطياف المثقف الحداثي"، ويرى علي حرب أن الفكاك من هذا المأزق في الفكر العربي عموما بكل أطيافه المتغايرة" هو في انخراطه في توجه وجودي نقدي يتغير معه عمل الفكر سواء على مستوى اللغة والرؤية أو المنهج والمعاملة أو المنطق والعقلية أو الدور والغاية، بقدر ما تتغير علاقة المرء بمفردات حياته وعالمه: بالرغبة والهوية أو المعنى والقيمة أو بالآخر والسلطة أو بالواقع والحقيقة..".
وإذا اتفقنا مع ما ذكره علي حرب، فإننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لكافة البنى الذهنية والمعرفية التي تشكل بها عقلنا العربي سواء تلك البنى المستوردة من الزخم الفلسفي المعرفي المعاصر، أو تلك البنى التقليدية التي لم تستطع الفكاك من لحظات التاريخ العربي الأوسط فكريا وسياسيا.
إذًا.. إحدى إشكاليات الفكر العربي منذ أن تشكل هي في تصنيمه للكثير من الأفكار حتى غدا العديد منها بحكم الجوامد الفكرية المتحجرة أو المتكلسة ذات الوثوقية المطلقة في الذهنية العربية. موقف بعض التيارات التقليدية مثلا منذ القديم تجاه الأقدم من الأفكار، هو موقف وثوقي لا يحاول التزحزح أو التجدد، بل كلما تعمقت الفكرة في القدم كان قبولها أكثر ثباتا. وتنطبق هذه الذهنية على جميع الأفكار حتى تلك التي تدرج ذاتها في التقدمية أو التنويرية، كما كان الحال أثناء موجة الأفكار الاشتراكية أو القومية أو حتى الأفكار التنويرية كالحداثة أو الليبرالية متى ما وصلت هذه الأفكار إلى مرحلة من الجمود الفكري أو الوثوقية المطلقة بها، بحيث لا يمكن نقدها أو تجاوزها، أو أن تصل أحيانا إلى مرحلة من الأدلجة الفكرية والسياسية، بحيث تُعمي الكثير عن إطارها الفكري الذي تشكلت من خلاله حتى لم يعد يفكر خارج هذا الإطار، أو أن يتجاوزه لتصبح فيما بعد شكلا من أشكال العقيدة التي لا تتزحزح بسهولة من قلوب أو عقول معتنقيها في حال من عودة الذهن العربي إلى جاهليته الفكرية، وعودة أصنامه التي انعتق منها سلوكيا لكنها باقية في العمق الفكري والوجداني وفي النسق المضمر لديه، فأصبحت كل فكرة تتشكل من خلال إطار صنمي معرفي لا يتزحزح عنه العقل.
حالة التصنيم الفكري ظاهرة عربية ممجوجة في الإطار المعرفي النقدي. قد برزت روح التصنيم في كل السياقات الأيديولوجية بلا استثناء وإن كان الغالب على ذلك هو الوجه المتشدد الذي لا يرضى إلا ذاته المقدسة مرجعا لكل الأطياف الفكرية الأخرى. ولعل الفكر الليبرالي هو أيضا يجنح في أحد تجلياته إلى حالة من حالات التصنيم متى ما وقع في مرحلة التضخيم للأشخاص، ووضعهم داخل إطار معين لا ينفكون عنه، أو إلى التجميد الذهني بحيث إن أي فكرة لا يمكن تجاوزها إلى غيرها.
ظهرت القوميات العربية والبعثية فأصبح خطابها خطابا أيديولوجيا وثوقيا حتى جرت العالم العربي إلى ويلات أبرزها هزيمة يونيو، وظهرت الأصوليات الإسلاموية كحركات مناهضة للقوميات العربية، ولم تكن بأفضل حالا من سابقتها، وتظهر الآن الليبرالية على السطح محاولة أن تتجاوز كل تلك الخطابات، وأخشى ما أخشاه أن تصبح هذه الليبرالية التي تؤمن بحق الآخر في الاختلاف أو تؤمن بالتعددية بكافة أطيافها في مرحلة من مراحلها إلى أيديولوجية وثوقية لا تتجاوز ذاتها، وحينما تكون كذلك فإنما تنتفي عنها الصفة الليبرالية لتتحول إلى شيء آخر ليس له أدنى علاقة بالفكر الليبرالي إلا كونه يحاول الانتساب ليس إلا.
وبما أن فضاء الليبرالية فضاء واسع فإنه من المحتمل الكبير جدا انخراط الكثير من القوميات العربية والبعثية والمتشددة محاولة الاستظلال بظلها؛ ولأنها ربما تحقق لها بعضا مما لم تكن قد حققته حاملة معها كل فيروسات الفكر ما قبل الليبرالي، وإن كانت الليبرالية نفسها تحتاج إلى نقد كذلك بوصفها خطابا متموضعا في التاريخ، ومن الطبيعي أن تحصل لها العديد من الأزمات. صحيح أنها في العالم العربي أقل بكثير من غيرها كالأفكار الإسلامية والقومية التي قادت إلى ويلات كثيرة، في حين بقيت الليبرالية في طور التشكل، إلا أنها لا يمكن أن تسلم من محاولة الأدلجة، ولذلك أرى ضرورة نقدها.
إن النقد المعرفي ضرورة لكل ممارسة معرفية؛ حتى تنأى بذاتها عن العودة لكل فكر يشكل النسق التصنيمي أكثر تجلياته الأيديولوجية، ولذلك فإن عمليات النقد تجاه الذات واستمرارها كحالة معرفية ممنهجة وملازمة هي أكثر الحلول المتاحة حاليا لتصحيح الكثير من الاعوجاجات الفكرية التي تطرأ من هنا وهناك، أو التي تتخفى تحت طيات العملية الفكرية.