يستعد ضيوف الرحمن للوقوف بعد يومين على صعيد عرفات الذي يصادف يومنا الوطني الخامس والثمانين.. مصادفة جميلة، والمقارنات ممكنة من جهة، ومستحيلة من جهة أخرى، ولكن القواسم المشتركة بين المناسبتين في أغلبها واحدة: الفرح، التذكر، الشكر، الشوق والقائمة تتسع للمزيد.
فكرت كثيرا ما الذي يمكنني كتابته عن المناسبتين المهمتين، وقد اجتمعتا معا؛ فوجدت أنه لا أفضل من التوقف عند مقتطفات من كلمات وخطاب موحد البلاد؛ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- التي قالها في (أول موسم حج)، بعد توحيد البلاد بعام واحد فقط، قال -رحمه الله- وجزاه عنا كل خير: "أشكر الحق -جل وعلا- على أن أتاح لنا هذا الاجتماع بوفود بيت الله الحرام، الذين جاؤوا لأداء فريضة الحج، التي هي ركن من أركان الدين، ومن أهم غايات هذه الاجتماعات ولا ريب؛ التعارف والتناصح بين المسلمين؛ والتناصح لا يكون إلا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، عليه الصلاة والسلام، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"..
أهم الأجزاء المهمة والرائعة في الخطاب -في نظري- قول الملك الموحد -رحمه الله-: "قد جعلنا الله -أنا وآبائي وأجدادي- مبشرين ومعلمين بالكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، لا نتقيد بمذهب دون آخر، ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه، وتمسكنا به، وأما إذا لم نجد دليلا قويا، أخذنا بقول الإمام أحمد، فهذا كتاب الطحاوية في العقيدة الذي نقرأه وشرحَه، للأحناف؛ وهذا تفسير ابن كثير، وهو شافعي؛ ولكنّ المسلمين تركوا سنة الرسول والسلف الصالح، واتبعوا أهواءهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة).
واضح تماما من الفقرات السابقة تأسيس المؤسس -رحمه الله- هذه البلاد على البعد عن التعصب المذهبي، ونبذ كل ما يدعو إلى الاختلاف والفرقة، استنادا منه على أساس متين؛ عماده الأخذ بما جاء عن الأئمة الأربعة من أقوال تساندها الأدلة القوية من كتاب الله وسنة رسوله. وواضح كذلك أنه وإن كانت قناعة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- اتجهت إلى المذهب الحنبلي، فإن ذلك لا يعني التقليل من شأن أي مذهب آخر، وظهر ذلك جليا من إفصاحه -رحمه الله- عن فضلها ومكانتها في تبصير الناس بأمور دينهم، وتبيينه لكل مهتم لأبرز ملامح النهج العام للخط الديني لهذه البلاد المباركة، ألا وهو عدم التعصب للرأي.
الملك الموحد، وفي خطاب الحج، لم يهمل الأجيال التي أتت بعده، من تذكيرها بالفضل الرباني، وتنبيهها إلى العلاقة القوية بين الراعي والرعية: "قد ملكتُ هذه البلاد التي هي تحت سلطتي بالله، ثم بالشيمة العربية؛ وكل فرد من شعبي هو جندي وشرطي، وأنا أسير وإياهم كفرد واحد، لا أفضل نفسي عليهم، ولا أتبع في حكمهم غير ما هو صالح لهم..".
اليوم نحن نعيش أفراح التوفيق لإنجاح الموسم، وأفراح ذكريات الوطن، والأمل في الله كبير أن يديم سبحانه وتعالى توفيق وتأييد خادم الحرمين، ويسدد ولي عهده، وولي ولي عهده، ويوفقنا دوما لإشاعة الأفراح بين أرجاء الوطن.