والعنوان بعاليه قد يشرح أشياء من قصة آلاف الأسر المفجوعة بسنين فلذات أكبادها في براثن أفكار الإرهاب والضلال والجريمة. هؤلاء إما يزورون أولادهم في المقابر أو يموتون كمدا في الانتظار لاتصال شارد من مكامن كل الحروب بلا رايات، أو في أحسن الأحوال، ومن بين أسوئها، يزورونهم في السجون وعلى الأقل فهم مطمئنون أن ابنهم في المكان الآمن. بعد مقالي ليوم الأمس، وأسئلتي المفتوحة إلى سعادة اللواء منصور التركي عن الأسرار الخفية في المشتل والمحضن، تلقيت اتصالا هاتفيا من والد سجين قديم يقبع اليوم خلف الأسوار للسنة الثامنة. هنا سأترككم مع بعض الجمل من حكايته: يقول في الأشهر الأولى من المداهمة لمنزلي كنا في حالة رفض. كنا نظن أن خطأ ما قاد ابننا إلى الشبهة وهو البريء من اعتناق الأفكار ومن ثم الأفعال. لكنني مع الزمن، وبإصراري على معرفة قصة... ولدي... اكتشفت، ومن السلطات الأمنية، كل وقائع بضعة أعوام كان فيها ابني مسمارا في خلية بالغة الخطورة، لا على مجتمعه فحسب، بل على نفسه أيضا. مررت بعامين كاملين من الاستقصاء والتحري وعرفت فيهما، ومن ذات السلطة الأمنية، كل شيء يرفع عنها العتب واللوم... ولكن...: ما لم أستطع أن أعرفه في قصة ولدي المؤلمة هو أهم، بل جوهر وصلب ما أريد أن أعرفه.
أريد أن أعرف تفاصيل الساعات والأيام والأشهر الأولى للاختطاف الفكري الذي تعرض له بغسيل دماغ حتى لم يصل للثانية الثانوية إلا ونحن تحت المداهمة وهذا يعني أن ابني كان مستهدفا على الأقل من الأولى المتوسط. أريد أن أعرف كل تفاصيل المصدر "ومثلما قلت في مقالي بالأمس/ المحضن/ المشتل/ المزرعة" أريد أن أعرف بالضبط ما إذا كان ولدي ضحية لمدرسة أو شارع أو شيخ أو داعية أو ليبرالي ناقم أو معسكر أو رحلة. أريد أن أعرف مصدر البداية لكل عذابات هذا الطفل الذي اختطفه فرد ما يوم كان لا يحسن "حتى فك أغلفة الساندويتش" ثم صحت أسرتي على هذا الكم من الأسلحة تحت سريره ليلة المداهمة. يختم بالقول (... أنا أطلبك بوجه "أبوفهد" أن ترفع.. قولي.. مكتوبا لسعادة اللواء منصور التركي وأن تقول له إننا مطمئنون لوجود ابننا في المكان الآمن ثم قبلنا بعدها بعدالة القضاء ولكن: نحن عرفنا الضحية ولكننا نجهل الجاني المتسبب وأنا خائف وجل على ثلاثة أولاد من أشقائه لأننا لا نعرف المصدر الذي قد يقودهم إلى ذات مصير شقيقهم الأكبر، نحن نريد من سعادة اللواء منصور التركي أن يساعدنا ولو في لقاء خاص مع كل أسرة مكلومة بفاجعة ابنها كي نعرف المشتل/ المحضن/ المزرعة حتى لا نبعث من ذات الأسر بضحايا جدد، سيما أن الزمن علمنا أن ذات الآلة تكررت مع عشرات الأسر.. انتهت المساحة.