بعيد أسئلتي المفتوحة لسعادة الأخ اللواء منصور التركي، المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية، وفي أعقاب مقالين مطلع الأسبوع، اكتشفت من ردة الفعل وبعض الاتصالات ما يلي: أولا، أن أسر ضحايا الاختطاف الفكري، وفي الغالب، على اقتناع بعدالة القضاء مثلما هم على رضا بأن السلطات الأمنية قد شرحت لهم جواب السؤال الأليم، وبالبراهين: لماذا دخل فلذات أكبادهم إلى السجن؟ ثانيا، وعلى النقيض، وكما اكتشفت أيضا، لا زالوا يقفون تائهين حيارى أمام السؤال الأصعب: ما الخيط الأول، ومن الحر الطليق الذي ابتدأ مع أطفالهم ذات يوم أول جملة اختطاف فكري في هذا المشوار الحزين المؤلم؟ وبعيد المقال الثاني لأسئلتي المفتوحة إلى سعادة اللواء منصور التركي عن/ المحضن/ المشتل/ المزرعة، تلقيت اتصالا من طالب رسالة دكتوراه في جامعة الملك سعود تبحث رسالته بالضبط عن ذات سؤال آلاف الأسر: من المتسبب؟ ومن المؤسف بمكان، أن هذا الباحث وبعد عامين، وكما قال لي بالضبط، لم يستطع كتابة جملة واحدة في الجواب عن هذا السؤال. اقتنعت بعد مكالمته الطويلة أن بحثه العلمي لرسالة الدكتوراه قد يكون واحدا من أرفع وصفات العلاج لأخطر أمراضنا الاجتماعية لو أننا فتحنا أمام هذا الباحث كل الملفات الحمراء للوصول إلى السؤال الصعب. أعظم ما توصل إليه هذا الباحث أن الاختطاف الفكري يستهدف المرحلة العمرية ما بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، وهذا مؤشر بالغ الخطورة، ومع كل هذا، وكما قال لي: اكتشفت البدهية التلقائية التي تعرفها آلاف الأسر المكلومة ومع هذا لا زال الباحث يحاول في صلب رسالته أن يصل إلى جواب ثقافة الاختطاف، وكيف وأين وتحت أي الظروف؟

أنهيت مكالمتي بهذه الطرفة التي قد تصلح مدخلا لبوابة ثقافة الاختطاف الفكري: عشت حياتي "أهلاوي" الميول وكان لي تأثيري الطاغي على جيل كامل من أسرتي الكبرى، وكنت أظن أن هذا التأثير سيمتد تلقائيا بدهيا إلى أولادي الثلاثة، لأن الولد سر أبيه، كان ابني الأوسط "محمد" يصاحبني في غاراتي اليومية ذات صيف إلى منزل عمه "أبو عبدالرحمن" في مسقط رؤوسنا بسراة عبيدة. وذات ليلة اشتراه عبدالرحمن "ابن عمه" بعلبة مشروب بارد وقميص رخيص للفريق الخصم المقابل. وكنت، كأب، أظن أن الأمر مجرد مزحة لولا أن الزمن علمني أن علبة المشروب والقميص الرخيص قد تحولتا إلى واقع. والعبرة في القصة أننا، نحن الآباء، نهمل القصص الصغيرة للتحولات في حياة أولادنا مثلما نتساهل في مراقبة سلوك الشراء الرخيص لعقول أولادنا ثم نصحو على السؤال المؤلم المحزن في وقت الكارثة: من المتسبب؟