كنت أتتبع بشغف كبير تداول الإيرانيين مقطع الفيديو الذي يظهر فيه خادم الحرمين الشريفين وهو يزور الحاجة الإيرانية "بيوك ننا محقي"، من مصابي حادثة سقوط الرافعة في الحرم المكي الشريف، والذين قام الملك سلمان بزيارتهم في مستشفى النور بمكة. لم أكترث كثيرا بصياغة الخبر وتفاصيله، خصوصا في المواقع المقربة من النظام الإيراني، بل اتجهت، كما يتكرر ذلك كثيرا في الحالات المشابهة، اتجهت مباشرة لأسفل الصفحة بهدف استعراض تعليقات القرّاء الإيرانيين على الخبر أو مقطع الفيديو، والنقاش الذي يدور بينهم، بين مؤيد ومعارض ومحايد.  

نستطيع القول إن هذا المقطع أحدث حِراكا جيدا في الداخل الإيراني، فلاحظنا تباينا في وجهات النظر بين القرّاء الإيرانيين، بين من يقف في خط النظام وبين من يحاول أن يكون أكثر تعقلا ويفصل بين الخلافات السياسية بين طهران والرياض وبين الموقف الإنساني المتمثل في زيارة رأس الهرم في المملكة العربية السعودية لحاجة إيرانية بسيطة تتلقى العلاج في إحدى غرف المستشفى الواسع بمكة.

وكعادتها، حاول بعض المواقع الإخبارية جلب أكبر عدد من القرّاء من خلال صياغة عناوين جذابة بل ولافتة لكل من تقع عينه عليها، بحيث لن يتردد في تصفّح الخبر ومشاهدة مرفقاته. حدث ذلك بالفعل من خلال قيام بعض المواقع الإيرانية كتابة عنوان عريض بهذه الصياغة: "ملك السعودية يتحدث مع حاجة إيرانية باللغة الفارسية".

كان الخبر مذيلا بمقطع زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للحاجة الإيرانية وسؤاله عن حالها وتمنياته لها بالسلامة والشفاء العاجل. فيبدو أن المشاهد الإيراني سمع قول الملك -يحفظه الله- "سلامات إن شاء الله" على أنها العبارة الفارسية "بسلامت إن شاء الله" التي تقال في مثل هذه المناسبات، وهما عبارتان متشابهتان كثيرا في النطق، وبغض النظر عن مدى دقة هذا العنوان إلا أنه بدوره أحدث نقاشا لا بأس به بين القراء.

من جانب آخر، استقبل الإيرانيون قرار الملك سلمان بصرف تعويضات مالية لذوي ضحايا حادثة الحرم والمصابين بشكل إيجابي، وغرد كثيرون حول الموضوع في استحسان واضح للموقف السعودي الذي قدم ما يعادل 930 مليون تومان إيراني لذوي المتوفين والمصابين بإصابات بليغة في حادثة الحرم، ونصف هذا المبلغ للمصابين الآخرين. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض الشباب الإيراني أشار بوضوح إلى حادثة تسمم بعض السعوديين في أحد الفنادق بمدينة مشهد، شمال شرق إيران، وتساءلوا عن عدم قيام إيران بتقديم تعويضات لذوي الضحايا والمصابين بحالة التسمم تلك. كما أطلق بعض الشباب الإيرانيين تغريدات انتقدت ضمنيا المستوى المعيشي في إيران، إذ غرد أحدهم قائلا "من الأفضل الذهاب إلى مكة والموت هناك بأمل أن تعيش أسرتي من بعدي حياة كريمة".

بعد انتشار مقطع فيديو الزيارة في كثير من المواقع الإيرانية، كثف المسؤولون الإيرانيون من تصريحاتهم المعادية للمملكة العربية السعودية في خطوة مضادة لبروز أي صورة إيجابية للمملكة في الإعلام الإيراني.

الواقع الذي لا مفر منه، هو أنه لم تعد إيران أو غيرها قادرة على حجب الواقع أو ترسيخ الصور النمطية وشيطنة "الآخر السعودي" عبر وسائل الإعلام الرسمي كما هو الحال في السابق. ففي ظل الثورة المعرفية والمعلوماتية التي نعيشها في العصر الحالي، هناك كثير من المصادر التي يمكن الحصول على المعلومة من خلالها، وعلى الرغم من القيود الهائلة التي يفرضها النظام الإيراني على استخدام شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب ونحو ذلك، بل إن شريحة واسعة من المجتمع الإيراني متعطشة للمعلومة الصحيحة والبعيدة عن أدلجة النظام ومشاريعه السياسية التي تتحكم في وسائل الإعلام المحلية، ويستحق المواطن الإيراني أن يخرج من سياسة التلقين التي يمارسها الإعلام التابع للنظام الحاكم في طهران.

هذا الهدف النبيل لن يتحقق إلا من خلال إيصال صوت الحقيقة إلى من يبحث عنها بطريقة سهلة وميسرة، فالمعرفة والمعلومة الصحيحة حق مشروع للجميع، بغض النظر عن لونه أو دينه ومذهبه أو عرقه، وللشعوب فيما يسمى بجغرافية إيران الحق كل الحق في الوصول إلى الحقيقة كاملة وخالصة.