طالب عدد من أعضاء مجلس الشورى بدراسة أسباب عدم تعاون بعض الجهات الحكومية مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وذلك خلال مناقشة التقرير السنوي لنزاهة، كما انتقدوا ارتفاع عدد الجهات غير المتعاونة مع الهيئة إلى ست عشرة جهة مقارنة بتسع جهات العام الماضي.

وجاءت حالات عدم التعاون بعدم تمكين منسوبي نزاهة في بعض الجهات المشمولة باختصاصاتها من تأدية مهماتهم، امتناعا، أو عدم تزويدهم بما يطلبونه من الوثائق والأوراق والمستندات خلال مدة الثلاثين يوما من تاريخ إبلاغها بها المحددة بتنظيم الهيئة، والمؤكد عليها بأربعة أوامر ملكية كان آخرها في الرابع من ربيع الثاني العام الماضي، إضافة إلى عدم تنفيذ بعض الوزراء لما تطلبه الهيئة من إجراء التحقيق في المخالفات وأوجه الفساد التي تحيلها إليهم، ما يدخل ضمن صلاحياتهم، وهو ما يؤدي  إلى تعطيل تسوية المخالفات وإصلاح الخلل، ويتيح الاستمرار فيها وتكرار ارتكابها.

وبناءً على ما سبق، ربما يتساءل القارئ الكريم ويقول: كيف لا تتعاون الجهات الحكومية مع "نزاهة" في ظل الصلاحيات القوية المعطى لها؟ وكيف لا تعاقب هذه الجهات على مثل هذه التصرفات التي تزيد من الشكوك حولها؟ أم أن نزاهة فقدت هيبتها أمام تلك الجهات؟

ربما يرى البعض في البداية أن عدم تعاون الجهات الحكومية مع نزاهة يكون بشكل مباشر، ضاربين بالأنظمة والقوانين عرض الحائط، ولو صح هذا القول لتدخلت الجهات العليا فورا لإيقاف مثل هذه المهزلة، وبالطبع فإن الجهات الحكومية لن تدخل في هذه الدائرة الخطرة من المساءلة، ولكن الحقيقة أن البيروقراطية لها أساليبها وطرقها في التحايل على الأنظمة والتعليمات، وللأسف وقعت "نزاهة" في هذا الفخ الذي نصب لها، فأصبحت هي التي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في عدم التعاون معها!

وأساليب البيروقراطية في التحايل على نزاهة كثيرة ومتعددة، فعلى سبيل المثال إذا كانت الأنظمة والتعليمات تنص على ضرورة الرد على استفسارات وملاحظات نزاهة خلال مدة أقصاها شهر من تاريخ إبلاغ الجهة الحكومية بها، فعند مماطلة الجهة وعدم الرد خلال الفترة المحددة، تكون المبررات في الغالب هي عدم وصول خطاب نزاهة إليها، فإما أن الخطاب ضاع خلال إجراءات الاتصالات الإدارية "الصادر والوارد" أو أن أحد المراسلين في الجهة لم يسلمه للإدارة المختصة، أو أنه تم الرد على الخطاب ولكنه لم يصل إلى المسؤولين في نزاهة.

إضافة إلى ما سبق، ربما تقوم بعض الجهات الحكومية بالرد على ملاحظات

واستفسارات نزاهة خلال المدة النظامية المحددة، ولكن في الغالب يكون الرد مقتضبا والهدف منه فقط هو مجرّد الرد، وحتى لا يقال إن الجهة لا تتعاون مع نزاهة، وتكون صيغة الخطاب أن الجهة بصدد إجراءات التحقيق واتخاذ اللازم وستوافي نزاهة بالنتائج حال انتهائها، وما على نزاهة في هذا الحالة إلا الانتظار ومزيد من الخطابات والتعقيبات!

أما فيما يتعلق بمنع منسوبي نزاهة من أداء مهماتهم وحجب المعلومات عنهم خلال العمل الميداني، فهذا الأمر لا يكون بشكل مباشر أيضا، فقد تطلب الجهة الحكومية منهم في البداية خطاب تسهيل المهمة كبقية الأجهزة الرقابية الأخرى ولا تكتفي ببطاقة العمل، فإذا وجد الخطاب تبدأ الجهة بطلب خطاب إلحاقي آخر ومن مسؤول أكبر ليبدأ الأخذ والرد بين نزاهة والجهة حول هذا الموضوع، وبخصوص الوثائق والمستندات المطلوبة، تتعذر الجهات بضرورة وجود خطاب رسمي ومن مسؤول كبير في نزاهة بهذه الطلبات، فإذا تم توفير هذه المتطلبات من نزاهة، تبدأ تلك الجهات بإعطاء معلومات وبيانات ناقصة أو إعطاء معلومات ليس لها علاقة بالقضية، لتبدأ دورة الطلبات من جديد، وبعض الجهات تقوم بتسريب بعض الملاحظات غير الجوهرية حتى ينشغل بها منسوبو نزاهة في الاستفسار والنقاش، أو يتم تصميم معلومات وبيانات شكلية فقط حسب الطلب.

أما بخصوص ما تطلبه نزاهة من إجراء التحقيق في المخالفات وأوجه الفساد التي تحيلها إلى الجهات الحكومية، مما يدخل ضمن صلاحياتهم، ففي الغالب يلجأ بعض المديرين والمسؤولين في الجهات الحكومية إلى تفسير وتأويل الأنظمة واللوائح على الوجه الذي يبرر مخالفات جهاتهم بحجج وأسباب مختلفة، يعدها البعض تجاوزا صريحا لسلطاتهم وتعطيلا لنصوص الأنظمة والتعليمات الصريحة.

وعلى هذا الأساس، فإن الإدارة القانونية أو المتابعة في بعض الجهات الحكومية، تفسر النصوص القانونية في الأنظمة واللوائح التفسير الذي يتلاءم مع قضية معينة، إن كان للرئيس البيروقراطي هدف معين، وعادة ما تكون هي المرتكز الذي يجعل معالجة القضية بما يحقق هذا الهدف من ناحية قانونية ممكنة، وهي في كثير من الأحيان تمد المظلة القانونية على كثير من قضايا الفساد، وبالتالي يضيع التحقيق في قضايا الفساد حسب تفسير الأنظمة، وإذا كانت القضية واضحة وضوح الشمس، فعادة يكون هناك "كبش فداء" من صغار الموظفين، كما أن بعض الجهات الحكومية، تستغل إجراءات التحقيق لكسب الوقت في إخفاء المخالفات من خلال التلفيق أو التلاعب بالأدلة.

وتأسيسا على ما تقدم، فإنه يتضح أن الآلية التي تتبعها "نزاهة" في التعامل مع الجهات الحكومية تحتاج إلى إعادة نظر، فهي من الآليات القديمة التي عفى عليها الزمن، ولا تتناسب مع متغيرات العصر الحديث، ويمكن الاستفادة من الممارسات والتجارب الدولية الحديثة في مجال مكافحة الفساد، والتي أصبحت لا تعتمد على المكاتبات والاستفسارات وطلب التحقيق من الجهات الحكومية، فهذه الخطابات مجرد "حبر على ورق"، وهي اللعبة المفضلة لبعض الجهات الحكومية، و"نزاهة" في الحقيقة لا تستطيع الوصول إلى المسؤولين النافذين بسبب هذه الآليات وهذه هي مشكلة "نزاهة"، فقد انشغل مجلس الشورى بالبيروقراطية ونسي مشكلة "نزاهة" الحقيقية!