شهرة الشهري
الواقع أننا خرجنا للحياة عرايا، لذا ينبغي لكُل منّا أن يبني قناعاته وفكره الخاص، لكن وللأسف وُلدنا ونحن نحمل بأيدينا "روشتة" صحية، أخلاقية، فكرية، تلقفها الآباء من الثقافة الجديدة المختلطة، بين ما ورثوه عن مجتمعهم الأصلي، القرية، أو البادية، وبين ما تمت تعبئتهم به في المجتمعات الجديدة التي انتقلوا إليها، وما يثير الغرابة حقاً، أن آباءنا كانوا أكثر انفتاحاً في تقبل الأفكار الجديدة والتعايش معها وتدوير حياتهم من جديد حسب "ما تتطلبه المرحلة".
آباؤنا احترفوا التغيير ومارسوه حقيقة، ولو رجعنا قليلاً إلى الوراء، لوجدنا أن جيل الآباء حديثي الحضارة والتقدم، كان أفضل بكثير من الجيل الذي قاموا هم أنفسهم بتربيته! تشربوا فكرا جديدا مختلفا بسهولة ثم توقفوا عند هذا الحد، ولم يتركوا للجيل الذي بعدهم ذات الفسحة التي أعطوها لأنفسهم، فكأن الزمن توقف هناك، وبرغبة منهم ألقمونا حجراً بعبارة "الله لا يغير علينا"، فأصبحت هذه العبارة "أيقونة" تلك المرحلة التي مرت على المجتمع.
فكانت الروشتة تشمل نصائح وتعليمات لا تخلو من مغالطات وخرافات، تحول بعضها إلى إيمانيات، بفعل التكرار وقوة الانتشار، وقد يكون بسبب تبني الدعاة آنذاك لتلك الفكرة.
أفكار تعاملوا معها برحابة صدر، وحين جاء من يحاول نقضها، وُصِمَ بأبشع الألفاظ، وقد يُخرج من دائرة الدين، رغم أنه انتقد مغالطات ألصقت بالدين ولا علاقة لها به.
خلال مؤتمر صحفي وحين أنهى الرئيس التنفيذي لنوكيا كلمته قائلاً: "نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما، خسرنا".. "نوكيا" بالفعل لم تفعل شيئا خاطئا، كانت شركة عملاقة مسيطرة على سوق الهواتف، وتغير العالم من حولها، وتطور بسرعة هائلة كانت نوكيا ما زالت تعتقد ألا ضرورة من التغيير، وهنا تحديداً كانت سقطة نوكيا التي كلفتها حياتها بأكملها، وتجاوزتها الشركات الأخرى، لتحقق أرباحا بالملايين، كان من الممكن أن تلحق "نوكيا" بالركب سريعاً، بل وتتجاوزهم لأن لها السبق في هذا المجال، لكن فاتها أن التغيير بما يتوافق مع الزمان وسرعته هو سر من أسرار التطور والتقدم.
تماماً كما نفعل نحن، فقد توقفنا عند زمن معين، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل نحارب كل من يحاول اللحاق بالزمن، واستدراك ما فات، فتجاوزنا الجميع ونحن كما نقول: "محلك سر"، فمتى يبدأ الفكر الجمعي بالاستيقاظ من هذا الموات الثقافي، ومحاولة تجاوز كل الأمور العالقة والتي تعثر بها مجتمعنا، ثم توقف عندها!
في كتاب (جبلنا الجليدي يذوب) حين أخبر فريد آليس بمشكلة جبلهم الجليدي، وطرح لها مخاوفه وما هم على وشك الوقوع فيه، قالت عبارة مهمة جداً: "كن مستعداً، لأن بعض الطيور لا تريد أن تفهم أن هناك مشكلة"، طالما لم يشعر المجتمع بأن العالم بأكمله تجاوزه بسنوات، وكان لا يريد أن يتفهم ذلك، فلن تُحل المشكلة، وسنبقى أبداً في خانة الرقم الأخير، في إحصائيات العالم، في معظم المجالات.