يعد القضاء الركيزة الأساسية في استراتيجية مكافحة الفساد، إذ لا تستطيع "نزاهة" ولا الجهات الرقابية تحقيق أهدافها من خلال ما تقوم به من أدوار في مكافحة الفساد ما لم تستند إلى نظام قضائي فعال، فإذا كانت الاستراتيجية مدعومة بإرادة سياسية قوية فإنها تظل ضعيفة الفاعلية بدون وجود القضاء.

فقضايا الفساد التي لا تقدم للقضاء، أو تحجب ملفاتها عن الوصول إليه، فهذا يعني استشراء الفساد بجميع أشكاله، وتتقوى بذلك شوكة الفساد والمستفيدين منه، والسؤال المطروح هنا: كيف يؤدي القضاء دوره في مكافحة الفساد والوقاية منه؟

في الحقيقة لا يزال دور القضاء في مجال مكافحة الفساد غامضا نسبيا على الأقل بالنسبة للناس في المجتمع، فكثير منا يتساءل عن دور القضاء في المحاسبة والمساءلة المتعلقة بنوعيات محددة من الفساد الشائع، مثل دور القضاء في محاكمة كبار الموظفين والنافذين في الجهات الحكومية، والفساد الموجود في الإدارات العليا لتلك الجهات، وكذلك الفساد الكبير في الشركات المساهمة، والغش والتلاعب في المواصفات والمنتجات، والفساد الذي يأتي بالصراع والنزاعات الخاصة بالصفقات التجارية في الأسواق، والفساد الذي تتمثل فيه عمليات النصب والاحتيال والتي يقع المواطنون ضحية له.. فهل مثل هذه القضايا تكون في المحاكم العامة أم في ديوان المظالم أم تخضع لاختصاص اللجان التجارية والشرعية التابعة لبعض الوزارات الحكومية؟

في بعض الدول تنص قوانينها على انعقاد الاختصاص للنظر في قضايا جرائم الفساد لمحاكم الأموال العامة، وتختص هذه المحاكم بكافة الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمها، وكذلك القضايا المتعلقة بالضرائب والجمارك، وجرائم الاختلاس والرشوة والتزوير، وجرائم غسيل الأموال.

وعلى هذا الأساس، فإن لمحاكم الأموال العامة دورا مهما في توفير حماية قضائية عاجلة للأموال والممتلكات العامة، ومكافحة الفساد بما لها من صلاحية دون غيرها في الفصل في الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمه، فمن اختصاصاتها على سبيل المثال: محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الفساد، ومعاقبة كل من تثبت إدانته بالجريمة المنسوبة إليه بالعقوبة الجزائية المناسبة، إضافة إلى الحكم عليه بإعادة المال العام المختلس أو المستولى عليه أو المعتدى عليه، أو دفع المبالغ المتهرب من دفعها والمستحقة للدولة.

إضافة إلى ما سبق، تقوم محاكم الأموال العامة باتخاذ التدابير الوقائية أو التحفظية التي يراد منها ضمان بالمبالغ التي قد يحكم بها للدولة من غرامات أو رد تعويضات، كالأمر بمنع المتهم من التصرف في أمواله أو إدارتها أو فرض الحماية القضائية عليها، وكذلك منعهم من السفر إلى خارج البلاد.

كما أن دور محاكم الأموال لا يقتصر على دراسة القضايا التي تصل إليها وإصدار الأحكام فيها، وإنما تؤدي دورا رقابيا في مدى التزام السلطات بتنفيذ الأنظمة والقوانين وكذلك تحديد المسؤولية عن جرائم الفساد والثغرات التي تم استغلالها في تنفيذ تلك الجرائم، كما تقوم أيضا باتخاذ كافة الإجراءات القضائية بمصادرة الممتلكات التي تم الحصول عليها بطرق فاسدة وغير مشروعة، أو بطرق احتيالية بعد التحقق قضائيا من عدم شرعيتها، والاستفادة من تعيينها في إقرارات إشهار الذمة المالية للوزراء والمسؤولين، وكذلك الموظفين الذين يلفتون النظر بالثراء الفاحش، خصوصا في مجالات العمل كالجمارك والمنافسات والمشتريات وتوزيع السلع والخدمات.

أما فيما يتعلق بعلاقة محاكم الأموال العامة بغيرها من الجهات الرقابية وهيئة مكافحة الفساد، فإنه يتم إنشاء دوائر في السلك القضائي مهمتها التنسيق مع تلك الجهات ومتابعة توصياتها حول قضايا الفساد والحدود التي وصلت إليها هذه القضايا، باعتبارها قضايا عامة قد لا يتقدم الأفراد بالإبلاغ عنها أو متابعتها وقد تتقاعس عنها أو تردد الجهات الرقابية أو تحجم عن تقديمها للقضاء.

وليس هذا وحسب، بل إن مثل هذه المحاكم تفسح المجال للأفراد بتقديم بلاغاتهم مباشرة إلى القضاء قبل أي جهة أخرى، وفسح هذا المجال قد يتم عن طريق الإبلاغ المباشر في المحاكم، أو عبر صناديق الشكاوى والبلاغات الموضوعة بالفروع التابعة للسلطة القضائية، أو عبر خطوط هاتفية مخصصة لذلك، أو عبر المواقع الإلكترونية المخصصة للسلطة القضائية.

ومما سبق، يتضح أن الدور القضائي في مكافحة الفساد هو دور علاجي ووقائي لا غنى عنه في استراتيجية المكافحة؛ لأنه الوحيد الذي يقف وجها لوجه مع المتهمين بارتكاب جرائم الفساد في قاعات المحاكم، ولأنه الوحيد المخول بإصدار الأحكام والنطق بها مع تحمل تبعاتها، إذ يكون القضاء في الخطوط الأمامية المواجهة للفساد.

فالقضاء يعد المعيار الحقيقي لما تتمتع به الرقابة في مجال الإدارة من حسن تقدير ووزن للأمور، وميل إلى الالتزام بأحكام القانون وعدم الخروج على مبادئه، وهذا لا يكون إلا في وجود قضاء قوي يسهم في استقرار الأوضاع وشيوع الثقة في الإدارة الحكومية وأجهزتها الرقابية الداخلية والخارجية.

والقضاء يعد شرطا أساسيا لضمان فاعلية المساءلة والمحاسبة والرقابة الإدارية والمالية، فدولة القانون تقوم على عنصرين: سيادة القانون بمفهومه الواسع وخضوع مختلف الأطراف له بما فيها السلطات العامة، مع وجود محاكم تسهر على احترام القانون من جميع الأطراف.

ولأن معظم الدول تقبل بإخضاع سلطاتها العامة لمبدأ المشروعية بمعناه الواسع (القوانين والتشريعات والتنظيمات)، فإن ذلك يتطلب جهازا قضائيا قويا ومستقلا تتوافر فيه جميع الصلاحيات للقيام بدوره في الرقابة والمساءلة، فإنشاء هذه المحاكم يعمل على إيجاد التوازن العادل الذي يقوم على أساس من التعاون بين السلطتين القضائية والتنفيذية في فرض الخضوع للمساءلة عن المخالفات المالية وجرائم الفساد المالي والإداري.