لا يمكن لمنصف إلا أن يقف احتراما وإجلالا، لأولئك الأفراد من العسكريين والمدنيين الذين أخذوا على عاتقهم خدمة ضيوف بيت الله الحرام في مواسم الحج، وليس لأحد أن يقلل من جهود أولئك الأبطال الذين يحملون على أكتافهم وعلى ظهورهم وبين أياديهم الحجاج من كل الأجناس والأعمار، غير مبالين ولا متأففين من شيء.

آلاف الصور التي لا تنتهي تحكي قصصا إنسانية فخمة، لا يمكن تجاوزها دون توثيقها ولو بكلمة طيبة عن هؤلاء الجنود الأفذاذ في ميدان العمل الإنساني والأخلاقي العظيم.

لقد خدمت سابقا عبر فريق الكشافة في هذه المواقع، وأعرف شعورهم وما يعني أن تكون هناك، ومعنى أن تخدم حجاج بيت الله الحرام، وأعرف كيف تزيد من همتهم دعوة عابرة من قلب حاج، أو ابتسامة ترتسم على وجهه.

وأعرف كيف يتحملون وبابتسامات عريضة وصدر رحب أنواعا شتى من الانتقادات أحيانا، فقد كنت يوما ما أحد من تلقوا سيلا منها، لذلك فحديثي عن معايشة قريبة للحدث ومن واقعه. وإني لأرفع لهم جميعا كل احترامي وتقديري.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها الجميع لتذليل العقبات لحجاج بيت الله الحرام، إلا أن المملكة حكومة وشعبا وإنسانا، تتعرض لأشرس هجمات التشويه والانتقاص الإعلامية على الإطلاق، وهي هجمات منظمة تحاول بشتى الطرق، مصادرة كل عمل قامت وتقوم به المملكة فيما يخص الحج على وجه التحديد، فـ"عين السخط تُبدي المساويا"، بكل "بجاحة" حتى وإن تم افتعالها.

إذ حين نلتفت إلى أرقام معدلات النجاح في مواسم الحج، سنجد أننا أمام حسبة تفوّق مذهلة ونتائج مميزة، لن يقتنع ويشهد بها إلا مكابر قليل الشهادة بالحق.

لذلك لن أسمح بأن يسحبني الحديث عنها، إلى الدخول في مربع نقاشات ومجادلات لا طائل من ورائها مع أي طرف، فأنا لست من هواة التحليلات المتعجلة وسأنتظر كامل نتائج الحقيق لأتحدث عن حادثة مشعر منى، فقد لاحظت أن من هب ودب من هواة التحليل العشوائي انبرى للأمر كما ينبري خبير لمشكلة، وبعضهم ينطلق من خلفية تصفية حسابات، أو من باب "اللقافة"، أو من باب "شوفوني"، وهي مصيبة ثقافية تعودنا أن يتحفنا بها بعض الكتبة هنا وهناك من المجتمع وخارجه أيضا، فكثير من التغريدات والحالات التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر" و"فيسبوك" لمغردين، يطالبون فيها بنقل خدمة الحجيج من السعودية لتكون تحت إشراف دولي إسلامي، وهو في واقعه مطلب تدندن به إيران مع كل حادثة في الحج، وهي الدولة التي طالما أزكمت أنوفنا بملف مشاغباتها الأسود في مواسم الحج!

لكن المضحك في تلك التغريدات المختلفة المصادر، يكمن في أن كثيرا من أصحابها لا يعرفون شيئا عن مناسك الحج، ولا عن خط سير الحجيج، ولا عن خطط تفويج الحجيج أصلا! والواضح أنهم أرادوا أن يغردوا كما يغرد آخرون وكفى!

هذه العشوائية بالطبع هي محل سخرية، نعلم خلالها أن الحملة الشعواء على السعودية، تحمل فيما تحمل مجاميع يُطلق عليهم "مع الخيل يا شقرا"، و"شقرا" هذه بقرة كانت تخرج مع الخيل كلما أطلق صاحبها العنان لخيله في الحقول، لتركض بسرعة وبذيل مرفوع، مقلدة كل ما تفعله الخيل وفي ظنها أنها من الخيل الأصيل، وما كان من صاحبها إلا أن كان يناديها في كل مرة يفتح فيها باب إسطبلات الخيل مناديا "مع الخيل يا شقرا"، حتى غدت مثلا.. وكم من أمثال البقرة "شقراء" في عالمنا اليوم.