عاشق الأرض المطبوخة بالكواعب من هديل الشعر وقلائد التاريخ وعصارة الحضارة، لا تراه إلا متوثبا وراكضا بين أحلامه وطلق خياله ولحظات جنونه، لا تراه إلا وهو يتسلل كالنبض الشارد ليربت علي كتف صخرة انزلقت كنطفة ضوء، أو يعانق نحلة غرقت في ميعة العسل (المداف) ينحدر (إبراهيم أحمد آل مسفّر) كحقل الماء المنسرب من المزاريب، وهو يصحو مع طيور قرية (رجال) من مشرق فجرها العتيق حتى مغيب شفقها الغض، لا ينحني مهما سفعته سياط الشمس وهجير التهائم وأسنة الرماح، ولا يستسلم لهوج المفازات والقيظ اللافح وهسيس المتاريس الخرس، يركض في دروب القرية كالملسوع ليدغدغ خشب السقوف النائمة، أو يوقظ شجر الوجد القديم، أو يفتح شرفة نافذة عجوز تتأرجح كحمامة بيضاء، أو يستلقي علي (مدماك) ينوء بالصمت والكتمان وعبق العصور، لا يستكين أو يهدأ، لديه فائض من الدينامية والتجليات والطاقة الجبارة، والقيم الثقافية والاجتماعية والحضارية التي يغالب الزمن لكي يستحضرها ويتعاطى معها ويحققها واقعا ملموسا يعول عليه لصنع إشباعات سياحية وطنية وعالمية، بعد أن وضع يده علي مكامن حيويتها وفضاءات ابتناءاتها ومكوناتها المتعالية، كسعيه إلى إعمار وتأهيل حصون قرية (رجال) التراثية وديارها وممراتها وساحاتها، ومتاحفها ومدارسها وحياتها الريفية، وصناعاتها التقليدية وفنونها النقشية وأكلاتها الشعبية، ومسامراتها الأدبية والثقافية وغيرها من مظاهر ومعطيات إبداعية مغيبة، هو حالم كبير مفعم بالأمل، ولكنه اليوم طريح الفراش ورهين الإعياء والوهن، يتمدد كجذع سدرة ويتقلب كتقلب الليالي العنيدة وصروف الدهر، هو في قبضة الألم الحاد يعتقله بين الجدران الباردة في المشفى، ويقيده كفارس أسير، ويشاكسه كمخلب الذئب، حدثته بالأمس فكان كما عهدته شديد الإيمان قوي الإرادة واليقين، حسن الظن بفاطر السماوات والأرض أن يكسوه بفيض الصحة وطهر العافية وسلامة البدن، ويغمره بطيوب الشفاء وبشرى الحياة، إنه الآن يتأبط وجعه المستبد والمباغت، فيصده بالابتهال الحميم وسكينة الصبر المطمئن وشجاعة النفس التواقة، ولذا أهيب بكل منظومات وحواضن الثقافة والسياحة في بلادنا الرسمية والأهلية أن ترعى هذا الكائن المشمس، المضمخ بالصباحات المعشبة، العابر في الزمن المستحيل، المتعلق بأشرعة الحياة وهودج العمر، لكي ينهض كقنديل الدهشة وأغاني الرعاة في (الأصدار) لكي يكمل رسالته ومشواره الطموح، وسعيه العجيب في مستغلق الدروب والمسالك، لكي يشعل السرج المعلقة وحكايا الأسلاف الطيبين، هو مفتون بضجة الأيام، منهمك بشراهة في ترتيب مباهج الأمس، وحرث حقول الأمل، واصطياد الطرائد من النجوم والغيوم وبروق الحكمة، صديقي إبراهيم: عليك تتكئ الحياة ولك الشفاء العاجل بإذن الله.