للراحل أخيرا غازي القصيبي رؤية قارب فيها مفهوم الغموض، إذ كان يرى أن الغموض منشؤه معرفي. فالمتخصص في البلاغة مثلا، يصعب عليه فهم واستيعاب المنطق الرياضي، وتستشكل عليه معادلات الفيزياء والكيمياء وكل ما له علاقة بالعلم التطبيقي البحت المختلف كلية.
تذكرت رأي القصيبي وأنا أقرأ ما نسب لأستاذنا الدكتور حسن الهويمل منشورا في أكثر من مكان والقائل بأنه (يتحدى وجود أحد يفهم ما تكتبه رجاء عالم) واختار تحديدا رواية (خاتم) التي اعتبرها المراقبون الأسهل لغة والأقل تعقيدا فنيا في مسيرتها الروائية حتى الآن.
ولو أن الدكتور الهويمل اكتقى بالقول إنه قرأ ولم يفهم، لكان ذلك أوقع، لأنه يعبر عن تلقيه وموقفه الشخصي، أما وقد قرن ذلك الرأي بالتحدي، فأعترف صادقا أنني لا أفهم ماهية ومعنى التحدي هنا؟ وهل هو منطلق علمي يمكن الاستناد إليه لتأكيد أدبية ما تكتبه رجاء؟
بالعودة إلى رؤية القصيبي التي كأني قرأتها في مقابلة صحفية معه، أظن أنه يتعين علينا أن نتساءل عن معرفة الدكتور الهويمل بالعوالم التي تتحرك فيها اشتغالات رجاء ومدى الإلمام قدر الممكن بتفاصيل هذه العوالم والتي غالبا ما تبدو تجريدية إذا ما أردنا التعامل مع النص بمنطق بصري صادم لآليات القراءة والتلقي التقليدية، وهذه مسألة نقدية (نظرية التلقي) بالغة التعقيد، وأنا متأكد من أن الدكتور الهويمل أعرف مني بها، وأكثر إدراكا بتفاصيلها، فهو من النقاد الذين نحترم فيهم جرأتهم في مقاربة كل الفنون وإبداء رأيهم فيها والجهر بأفكارهم وقناعاتهم دون مواربة، ما يجعلهم عرضة للتحرش من قبل الصبيان على نحو ما أفعل الآن.
في أعمال رجاء لابد أن تكون ملما - مثلا - بدلالات (الطيرمة) و(بيت المنقل) و(بيت الدرج) في بنية العمارة الحجازية، وماذا يعني (الفوفل) و(الزرنباك) و(فنجال المسرى) في جلسات السمر. فالقراءة (عملية خلاقة إبداعية تعبر عن محاولة القارئ المنتظمة لإنشاء وتكوين معنى واحد أو أكثر ضمن أحكام اللغة وقواعدها).
ولعلي أتجرأ أكثر وأدعو الدكتور إلى توضيح رأيه هذا في مقالات نقدية، وأنا متأكد أنها ستضيف للمشهد الروائي الذي يحتاج بإلحاح إلى مثل أطروحات الدكتور الهويمل، بما يملكه من ثقافة عميقة وتجربة عريضة، إذ يكفي ترؤسه لأدبي القصيم فترة طويلة بنجاح حتى في أشد مراحل الصراع المؤدلج الذي ابتليت به الحركة الثقافية المحلية، فكان بارعا في قيادته، فاتحا كل النوافذ أمام كل الاتجاهات، وهذا لعمري ديدن المثقف الحقيقي، حين يتمثل غاندي فيسمح بعبور كل الرياح دون أن تقتلعه من جذوره.
لكن الذي يلح عليّ الآن: هل الدكتور معجب العدواني، مشمول في هذا التحدي وهو الذي أنفق ردحا من عمره الأكاديمي يدرس نتاج رجاء عالم في أطروحتي الماجستير والدكتوراه؟