أيقظت انتفاضة الأقصى مجدداً ذلك الجرح العربي العميق لنكبة فلسطين التي تنهي عامها السبعين في العامين القادمين، وتبلغ في الثاني من نوفمبر القادم عامها الثامن والتسعين منذ وعد بلفور عام 1917. وفي ذلك التاريخ بدأت عذابات شعب فلسطين الشقيق، وصولاً إلى نكبة فلسطين في عام 1948 التي أصبحت جرحاً عربياً كبيراً أصاب كلّ المجتمعات العربية بدون استثناء.

يقف الإنسان العربي في هذه اللحظات حائراً وغير قادر على ترتيب أولويات العذاب والقتل والدمار.. هل يتابع فلسطين وما يعانيه أطفال فلسطين من إرهاب جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يزداد يوماً بعد يوم؟ أم يعود إلى سورية وأهلها ومعاناتهم الطويلة مع حاكم يقتل شعبه ويشرّده، إذ أصبح عدد القتلى ما يزيد على مئات الآلاف، إضافة إلى ملايين المهجّرين داخل أرضهم وفي دول الجوار أو على حدود دول العالم، حتى أصبحوا أزمة عالمية بامتياز إذ تجاوزت نسبة اللجوء العربي ما يزيد على الخمسين بالمئة من نسبة اللجوء العالمي.

الأمر عينه عندما نتابع المأساة الليبية التي قوّض حاكمها قبل رحيله كلّ أسباب الاستقرار وتركها للفوضى والعنف والانقسام والجهل والتخلّف دون بنية تحتية أو مدارس أو جامعات، كما أهدر ثرواتها على صناعة الفوضى في الدول الشقيقة وصناعة المؤامرات على استقرار العرب وتقدّمهم.. وها هي ليبيا الدولة النفطية والقليلة العدد تعيش حالاً من اليأس والاقتتال والانقسام مما يفطر القلوب حيث المجهول هو المصير الوحيد المعلوم لليبيا وشعبها الطيّب.

أما العراق فالأمر أشدّ مرارة وقسوة من سورية وليبيا وفلسطين. فالشعب العراقي محبّ للعلم والإبداع وقد كان لسنوات طوال يعيش في حال من صناعة المستقبل بعلمائه ومفكّريه وتنوّعه الطائفي والقومي، وكان انسيابه طبيعياً، إلى أن ابتلي بالحروب والنزاعات ودخل في تجربة جديدة بعد الاحتلال والتدخل الإقليمي في شؤونه وتفريق شعبه وصناعة الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد، حيث فككت دولته وسيطرت جماعة من الحاقدين على كل الشعب العراقي بدون استثناء فنهبت موارده، وعمّ الفساد.. ونستطيع أن نقول إنّ البشرية لم تشهد فساداً كالذي شهده العراق في السنوات الماضية.

سقط العراق ومعه جزء من سورية بأيدي الإرهاب، بعد أن كان لسنوات بأيدي من كانوا يدّعون الحرص على العراق. وعاد العراق مرة أخرى إلى المجازر والتهجير والقتل والدمار. ويؤكد الكثيرون ممّن يعرفون أهوال العراق أنّ ما تعرّض له الشعب العراقي منذ عام 2003 حتى الآن ربما يفوق ما تعرّض له الشعب الفلسطيني خلال العقود السبعة الماضية. كما تشير التقارير أنّ ما نُهب من واردات الشعب العراقي يفوق آلاف مليارات الدولارات، وقد صرفت على النزاعات في سورية واليمن ولبنان وغير مكان.

أمّا اليمن الذي قدّم شعبه الطيب نموذجاً في حبّ بلاده وإرادته في العيش بسلام وبناء دولة تليق بتاريخه وتراثه العريق، والذي حظي برعاية أخوية من أشقائه الخليجيين من خلال مبادرتهم التي أمّنت عملية انتقالية سلمية استوعبت كل المكونات اليمنية دون استثناء. واعتقد الشعب اليمني الشقيق أنه دخل مرحلة جديدة من الشراكة الوطنية وبناء دولة يمنية جامعة بين الجنوب والشمال والقبائل والمذاهب اليمنية المكوّنة للهوية الوطنية.

لم يبلغ الشعب اليمني السعادة المرجوة لأنّ هناك من انقلب على التسوية السلمية الخليجية اليمنية.. واتفق أعداء الأمس وأصبحوا حلفاء اليوم بعد أن استكثروا على الشعب اليمني العيش بسلام. وكانت العملية الانقلابية، والتحق اليمن بإدارة الفوضى.. الفوضى التي دمّرت العراق وسورية.. وربما تكون مأساة الشعب اليمني أقل من غيرها لأن دول الخليج احتضنت اليمن في الحرب كما في السلم، ولا يزال التحالف العربي بقيادة السعودية يحاول إعادة الشرعية إلى أصحابها.

أما لبنان فقد عانى ما عاناه خلال عقود طويلة ولا يزال، وكان قد تحمّل طويلاً القضية الفلسطينية ومن ثم تحكّم الوصاية بشعبه وحكومته، وعانى من الاحتلال الإسرائيلي سنوات طوالا، واستطاع بمساعدة أشقائه أن يعيد لحمته باتفاق الطائف الذي رعته السعودية، ويعيد إعمار ما تهدّم، ويعود إلى دوره ومكانته بين الأشقاء والأصدقاء، إلا أن يد الجريمة كانت بالانتظار ودخل مرة أخرى في مسلسل العنف والاغتيال والهيمنة. وهو الآن يستوعب أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري، وجنوده مختطفون، وبدون رئيس جمهورية منذ ما يقارب السنة والنصف وهو الآن غارق في الفوضى والنفايات.

انتفاضة الأقصى أيقظت مرة واحدة في الوجدان العربي كل النكبات، من فلسطين إلى العراق وسورية وليبيا واليمن ولبنان.. ويصحّ في العرب القول الآن "إذا ما أصابتنا نكبة تكسّرت النكبات على النكبات"..