من المسلمات أن التغييرات الاجتماعية والثقافية التي تمر بنا أو حولنا تؤثر علينا سلبا أو إيجابا شئنا أم أبينا؛ إلا أن الإنسان العاقل يتكيف مع كل المؤثرات بشكل إيجابي كصورة لأطفال اليابان يتعلمون على أنقاض زلزال أو قنبلة وسط الدمار، أو مدارس نشأت تحت الأرض بعد أن أصبح السطح السوري منطقة معرضة للقصف؛ أو كصورة العراقي الذي يرعى عشرات الأطفال الأيتام.
الأبطال الحقيقيون لا تصل إليهم الكاميرا دائما لأن الذي يحملها يبحث عن الدمار والخراب والإثارة؛ وربما لأن كثيرا منا لا يبحث عن ذلك ولا يهتم بصور البناء التي تعلو الأنقاض!
قدرنا كبشر أننا نتفاوت في درجات الوعي ونركن للمألوف الآمن ونسرع في نشر الغريب الخارج عن المألوف وقد ننسى الأثر السلبي؛ فقد تجدد حزن أبوين فقدا ابنهما المراهق في حادثة تفحيط بعد أن قام أحد الحمقى بعد ستة أشهر بإرسال مقطع مصور له وهو يتحول لأشلاء إلى جواليهما! والسؤال: ماذا يريد من فعل ذلك أن يوصله إلى الأبوين؛ وأين إنسانيته؟!
التعامل مع المقاطع غير اللائقة إنسانيا قضية يجب أن تثار، فهناك كثيرون لا يعون خطر تداولها؛ فقد تفتح أبوابا للشر أو الحزن أو تتسبب في الرعب أو رهاب من نوع ما لا يفارق الإنسان!
الموت حقيقة ولكن تداول صور الموتى أو القتلى بصورة مؤذية للعين والقلب والروح جريمة بحقهم وبحق ذويهم؛ وما يناسب المحققين في جريمة أو قضية لا يناسب كل الناس أبدا.
ونحن في مطلع عام جديد لو تأملنا العام الماضي لوجدنا أننا فقدنا الكثير، ولكن بقيت في وسط هذا الفقد ابتسامات مشرقة؛ لم نفقد صورها ولن نفقدها ما حيينا؛ من ابتسموا في حياتهم لفرحنا وغادروها وتركوا شموع حب لا تطفئها الأيام أبدا ما دمنا قادرين على أن نراها. ابتسموا فلنقدر ابتساماتهم المشرقة التي غمرتنا ولا تزال فياضة.
امسحوا من ذاكرتكم كل الصور الحزينة وابحثوا خلفها عن صور تحول فيها رماد الحزن إلى سماد يستنبت الفرح واحتضنوه؛ فيرحل الأب وتبقى كلماته العظيمة مشعلا؛ وترحل الأم وتبقى دعواتها الصاعدة للسماء يتردد صداها في آذاننا ونرى أثرها علينا؛ يرحل الصديق فيبقى وهجه والمبدع فيحثنا إبداعه على الاحتفاء بتاريخه؛ ويرحل الشهيد ويقدم حياته لنا لنعيش بأمن وسلام بعد أن ألقى روحه للوطن كأعظم تحية عسكرية أداها في حياته!
ماتوا وتركوا لنا ورود الحياة نأنس بألوانها وعطرها؛ تركوا لنا زرقة السماء وجمال البحر ولذة الأمل وقوة العمل والفكر في تغيير الحياة.
لسلامة النفس والروح من الهم والحزن قلصوا متابعة الأخبار لساعة واحدة في النهار كما يوصي أساتذة السعادة؛ وإن عجزتم عن ذلك جربوا أن تتخلصوا من القنوات الإخبارية بحذفها أسبوعا واحدا وثقوا أن هذا الأسبوع لن يخسر فيه العالم شيئا كبيرا.
كم أحب متابعة الفاعلين في الحياة الذين يستمرون بالعطاء تحت كل الظروف ولا يلتفتون لها؛ لأنهم ببساطة أدركوا أن الحياة لا تتوقف ولا تتجاوز إلا الواقفين في أماكنهم مكتفين بالمراقبة!
يتقاعد أستاذ الجامعة من عمله ويختار أن يبدأ مشروعاته الثقافية أو الكتابية فيتسع الأفق أمامه ليتحول من أستاذ لعدد محدود من الطلاب إلى أستاذ لأجيال متلاحقة!
وتتقاعد معلمة لتتحول إلى مديرة حضانة خاصة تدر عليها دخلا يفوق بكثير دخلها من التعليم وتبذل جهدا أقل مما كانت تعمله وتريح أمهات على رأس العمل يسعدهن أن يجدنها ليتركن أطفالهن عندها.
يأخذ الرسام الشهير بريشة الفنان الصغير ويسلط عليها الضوء؛ يتبناه ليحمله للمستقبل بسرعة أكبر، وليعرف الآخرين به.
الإيجابية أن نوظف طاقتنا للتعاطي مع الحياة بمتغيراتها وببساطة شديدة نتبادل الأدوار ونعطي من كنا معتادين على الأخذ منه!
عقولنا هي الكاميرات الوحيدة في العالم القادرة على تصوير المستقبل وتصوره؛ يلتقط التاجر بها تصورا لبيته الفاخر الذي سيبنيه ويؤثثه، بينما يحتفظ المكافح بصورته المشرقة في المستقبل ثريا يستقل طائرته الخاصة أو يجوب العالم على يخته الخاص!
وعند الطالب المكافح صورة له بزيه وهو مهندس، وتحتفظ الطالبة بصورة لها وهي ترتدي المعطف الأبيض طبيبة أو ممرضة؛ ولنا أن نقيس أحلامنا المصورة التي لا تثقل الذاكرة بل تبهجها.
التفوق والإبداع تخطيط للمستقبل يعتمد على خيالنا الفاعل في استحضار الأجمل؛ كأن نرسم الورود واللوحات الجميلة على الحوائط التي شوهتها عبارات غير لائقة.
في حياتنا سنواجه عقبات وبشرا مسمومين يحاولون أذيتنا، فلنتوقف عن سماع أصواتهم الساخرة والمحبطة وننقلهم إلى دائرة الشفقة والجهل، ونرى في عبوسهم ابتسامة بلهاء لا تحمل أكثر من انفصال عن الواقع المعاش وحركة الحياة، لأن واقعنا يثبت أن أشد وأقسى عقباتنا هو ما نتوهم من عجز وما نركن إليه من حزن وما نقبله من رأي الآخرين بنا.
ختاما ولنقرن القول بالعمل لنلتقط صورة لنا نحدد المكان وعلى وجوهنا ابتسامة والزمان هو اليوم الأول من محرم عام 1438هجرية، ولتكن أجمل صورنا القادمة.