سأتنازل في مقالي عن الانتصار لما أراه من أن الأخذ بالنتائج الفلكية لا يتعارض مع النصوص الشرعية من كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ، ومن سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في موضوع إثبات الشهور دخولا وخروجا، أو الانتصار للرأي القائل بأن الاختلاف إن وقع بين الفلكيين فهو في تحديد أول يوم من الشهر، لا في تحديد ولادة الهلال ولا اقترانه بالشمس؛ لا سيما أن القول بالعمل بالحساب الفلكي في مسألة إثبات دخول الشهر وخروجه ليس من نوازل عصرنا ومستجداته، بل هو اختلاف متوارث وموروث عن العلماء السابقين، وأنه باطل عند الكل الأخذ بالحساب الفلكي في إثبات دخول الشهر وخروجه دون النظر إلى الرؤية الشرعية للهلال، لكن في ذات الوقت إذا قال الفلكيون بأن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس، وجاء من يشهد برؤيته بعد الغروب، ويدعي الرؤية قبل ولادة الهلال، فشهادته باطلة لا يجوز سماعها فضلاً عن قبولها، فالحساب في النفي لا يمكن التنازل عنه..
عموما أطلت فيما لم أكن أرغب في أن أنتصر له؛ لأني إنما أردت أن أبدي استغرابي الشديد من عدم الاهتمام بإعلان بدايات الشهور ـ كل الشهور ـ في الوقت المناسب، ولا أريد هنا أن أخص شهر رمضان الكريم، أو شهر الحج، رغم أن الحج الماضي أيضا لم يعلن عنه في الموعد المناسب.. التأخر في هذا النوع من الإعلان أمر قد يضيع على الناس دينها، وأضرب على ذلك بمثال عملي واحد: "متى ستنتهي عدة امرأة غير حامل توفي زوجها في الـ(25) من الشهر الهجري؟".. الجواب عن ذلك هو: أن تحسب ما بقي من الشهر إلى نهاية الهلال، فإن كان الشهر (30) فتحفظ (5 أيام)، وإن كان الشهر (29) فتحفظ (4 أيام)، ثم تحسب (4) أشهر بقطع النظر هل هي (30) يوما أو (29)، ثم تحسب من الشهر التالي لهذه الـ(4) ما يكمل الـ(10) أيام، فإن كان الشهر الذي مات فيه زوجها (29) يوما أكملت من الشهر الذي تلا الـ(4) المتقدمة (6 أيام)، وإن كان (30) يوما أكملت (5 أيام).. تخيلوا معي لو تأخر إعلان الشهر، وأراد الله لهذه السيدة أن تتزوج، وتم العقد لها في يوم خطأ؛ فمن الذي سيتحمل هذا السِفاح والعياذ بالله.. مسألة أخرى متعلقة بعدم الإعلان الشهري، وهي التفويت على الناس في إدراك تكفير السيئات، وحصد الحسنات عن طريق صوم الأيام البيض، أو عاشوراء وغيره..
بصراحة لا أظن أننا معاشر الكتَّاب نحظى بمتابعة طيبة من قبل من نوجه لهم كتاباتنا، فقد كتبوا، وكتبت راجين أن تعلن المحكمة العليا بدايات الشهور، جميع الشهور، وفي الوقت الصحيح، دونما إعطاء فرصة لتخرصات المتخصصين، وغيرهم؛ خاصة أن من أهم اختصاصاتها مراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأنها من خلفت بحسب الآلية التنفيذية لنظام القضاء المعلن قبل تسع سنوات؛ الهيئةَ الدائمة بمجلس القضاء الأعلى، التي كانت تُعنى بأمر إصدار ثبوت الأهلة، فانتقلت مسؤولية إثبات الرؤية الشرعية للهلال من الهيئة الدائمة إلى أعلى سلطة قضائية في محاكم القضاء العام، وهي (المحكمة العليا)، وأصبحت وزارة العدل هي المعنية بـ"ملف الأهلة".. أمنياتي هذه المرة أن يخيب ظن الكتبة والكاتبين، وأن تحل هذه المعضلة مستقبلا.