يتقدم العلم في مجالاته الطبية على نحو متسارع حتى أصبح ما كان غامضا ونائيا وصعبا متيسرا ومتاحا، فقد تطورت الأجهزة الطبية حتى صارت تخترق ظلامات الأرحام وغوامض الدواخل البشرية، وصارت الأعضاء الباطنية قريبة يمكن الوصول إليها وعلاجها بالليزر عن طريق الدعامات أو التكميم أو الاستبدال، وقد مضى التطور الطبي إلى تحسين المظهر الخارجي ومن ذلك زراعة الأسنان والشعر.

ومع التقدم الذي تشهده تقنية علاج الصلع وما تشهده من إقبال عليها من جماعة "الصلعان" فإنه ينتظر أن تقود هذه العاصفة الطبية إلى انقراض طائفة معتبرة من إخوتنا الذين يعانون ندرة وانحسارا في خصلات وبصيلات الشعر، ومعلوم أنه بضدها تتميز الأشياء، أي أن توفر الشعر عند الصلعان الذين صاروا يقبلون على زراعة مناطق الجفاف في رؤوسهم لن يجعل بالتالي لأبو قذيله ولأصحاب التسريحات ميزة تنافسية، ولن يدع لهم – بعد الآن - فرصة تشخيصية، بحيث لن يستطيع صاحب الشعر الغزير والمسبسب أن "يشوف حاله" أمام زميله الأصلع.

لقد كان الأصلع يتوارى من الخجل لما عرف عنه من تصحر نباتي في مقدمة رأسه أو مؤخرته، وكان بعضهم يبالغ في الحفاظ على اللباس الوطني "الغترة والعقال" حتى خلال سفره خارج المملكة بحجة التميز والوطنية، بل ورغبة في المحافظة على شكله النمطي والمعتاد عند من يعرفه، لكنه يتكشف عندما يخلو إلى غرفته الخاصة وحيدا أو مع الأقربين عنده الذين يعرفون عنه ما ظهر وما بطن، لكن التطور السريع في عمليات زراعة الشعر جعل معدل ادعاء الوطنية يقل أو ينحسر بعد أن أقدم كثير من هؤلاء على زراعة الشعر.

لقد صار من المألوف بعد أن كان لافتا أن ترى الطائرة العائدة من إسطنبول إلى المملكة وهي تكتظ بحشد من الذين يربطون هاماتهم بقماشة بيضاء وتضرج بعض أطراف بعضها قطرات الدماء لبعض الذين ذهبوا فقط لإجراء العملية ثم عادوا من الغد إلى البلاد.

كانت زراعة الشعر في بداياتها المبكرة قبل أكثر من عقدين تبشّع أكثر مما تجمّل، وهي في بداياتها تشبه بدايات زرع "الثيل" أو النجيل والعشب الأخضر، لأنه كان يزرع على هيئة شتلات مما يوجد فراغا في الأرض حتى بدأت تقنية زراعة العشب على طريقة البساط الذي يفرش في الأرض ثم تتم سقايته لاحقا، وأظن أن تقنية زراعة الشعر قد استفادت بعد بداياتها المتعثرة من نفس تقنية زراعة العشب على أن زراعة الشعر ليست متيسرة للجميع، حيث يفقد بعض الصلعان الخلفية التموينية التي تقع في مؤخرة الرأس والتي يستعان بها ويقتطع منها بعض البصيلات التي تزرع في فراغات المقدمة، ومن هنا يمارس بعض اليائسين من إمكانية الزراعة الاعتداد بصلعاتهم، وقد يدّعون أنهم سعداء بأشكالهم التي تعود عليها الناس انطلاقا من "مجبر أخاك لا بطل"، ويفخر بعضهم بأن الصلعة لا زالت مقبولة وجذابة لدى الجنس الناعم، حتى حق لهم أن يخبروا غيرهم بأن الصلعة في المغرب تسمى تاج الرجولة، أما في تركستان فلا يسمح للرجل بالتعدد بأكثر من زوجة إلا إذا كان أصلع، وفي البرازيل تتطلع الفتاة الحسناء إلى الرجل الذي لا يمتلك شعرا كثيفا في رأسه لأنها ترى أن زيادة الشعر ربما تكون دليل أنوثة أو أنها دليل نقص في خصوبة الرجل.

أحد أصدقائي من الراسخين في عالم "الصلعة" يؤكد على فحولة الأصلع كما يثني على إيجابيات الصلعة اقتصاديا، إذ تجعله يوفر تكاليف الهدر المائي في غسل الشعر، وكذلك التوفير المالي لأنه لا يضطر لشراء الشامبو أو تتبع أنواعه، ولا يقدم على شراء كريمات الشعر وبعض المرطبات وبعض دهانات الحكة، ويزيد على ذلك أنه يوفر تكاليف صوالين الحلاقة، إذ يخبرني صديقي أنه يحلق في الصالون بعض شعر رأسه بنصف ريال.

موجة زراعة الشعر كاسحة ومسيطرة وإن مضت بنفس التسارع فإن "الصلعة" ستبقى شيئا من الذكرى أو حالة تاريخية تروى مصورة في المتاحف، ومن هنا جاز لنا أن نقول: يا صلعان العالم اتحدوا..!