من المعروف أن لكل صراع حلبته وساحته القادرة على استيعاب نتائج هذا الصراع وحصره في المساحة المحددة له، حتى لا يكون تأثيره خارج هذه الحلبة والساحة، ويكون حجم الأضرار أكبر وأسوأ ويصعب محاصرته والاستفادة من مخرجاته، تلك من قوانين وأبجديات الأنشطة الرياضية، إذ إن خروج الكرة عن المساحة المحددة تستوجب إيقاف اللعب لحين إعادتها ومعاقبة الذي تسبب بخروجها وحصرها في المساحة الخضراء، وكذا بقية الألعاب الرياضية الأخرى، وعكس ذلك ونقيضه ما يحدث في السياسة، وأيضا ما يحدث في الصراع بين التيارات المجتمعية المختلفة في بلادنا، فالدولة أقامت المؤسسات الخاصة بالحوار الوطني المثمر والمطلوب الذي يطور المجتمع، بعيدا عن صراع التيارات وآثاره الضارة، حتى لا يصبح الانتماء للتيار المعني هو المعيار الوطني والأخلاقي لقبول الشخص أو رفضه.
النخب الثقافية والإدارية والعلمية بالضرورة هي المعنية بالتطور والتقدم في أي بلد من بلدان العالم، كما أنها معنية بصناعة الأحداث ونشر الوعي وقيادة المجتمع وتأهيله وتحقيق غايات وطموحات وسياسات الدولة والمجتمع، بل هي المعنية بشكل مباشر بصياغة الثوابت الوطنية وصناعة دولة المؤسسات والقانون التي تحفظ لجميع أفراد المجتمع حقوقهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية، حتى لا تكون الدولة عرضة لصراع أفكار وتيارات، ينخر في نسيجها المجتمعي وأمنها واستقرارها.
تشهد الساحة الفكرية السعودية اليوم صراعات فكرية حادة، تصل في أوقات كثيرة حد تغييب العقل والحوار الموضوعي والمنطقي، ما قد يؤثر سلبا على المجتمع، وعلى الأداء العام في مختلف مواقع العمل وساحاته، فكثير من الإداريين المهنيين المؤهلين للإنجاز والبذل والعطاء في مواقع عملهم تنالهم سهام النقد والتجريح والتبخيس لكل فعل يقومون به مهما عظم، فيغيب نقد الأعمال والمواقف والإنجازات ويحضر الترصد والمتابعة وانتهاز العثرات وتضييق الخناق، ويتحول الحوار إلى صراع شخصي واستقطاب بين التيارات.
صراع التيارات الفكرية أصبح مرضا يتمدد في ثنايا المجتمع، ويتغذى على اللامبالاة والنرجسية، وتغييب القيم والثوابت الوطنية، وقد يتحول إلى أزمة تهدد استقرار المجتمع كما يحدث في بلدان كثيرة من حولنا فقدت أمنها واستقرارها وتماسك مجتمعاتها ووحدتها، بسبب صراع التيارات والأفكار التي قضت على كل ثابت ومتفق عليه فيها، وأتاحت الفرصة لأصحاب الأجندة المدمرة الساعين لتصفية حساباتهم السياسية وتحقيق أمجادهم الشخصية على حساب الوطن والمجتمع وأمنه واستقراره. وفي اعتقادي أن الانتماء والتعصب لتيار يعني فقدان الشخص لموروثه الثقافي والمعرفي والتنازل عنه، وعن قناعاته، وتغييب عقله من أجل مصلحة التيار والدفاع عنه، وهنا تكمن المشكلة.