لعل أقسى مشهد في الموقف الذي تعرض فيه سائق تاكسي الأسبوع الماضي للتعنيف وممارسة الإرهاب (الفكري) -من قبل أحد المواطنين الذين أقلّهم في سيارته- بسبب انتمائه لمذهب آخر عن مذهب الراكب، وأكثره إيذاء للمشاعر حينما كان يقول له بلغة آمرة وواثقة أن يتوقف عند أول "دورية" تصادفهم، في تصرف ينم عن ثقته في أن الدوريات التي تمثل إحدى الجهات الأمنية المهمة بالمملكة ستقف معه وتؤيد تصرفه ولن تستنكر إرهابه الذي مارسه على ذلك الرجل، وفي الوقت نفسه نلاحظ أن رجاء صاحب التاكسي وتوسله له ألا يصر عليه أن يتوقف عند أي دورية؛ يثبت بطريقة معاكسة أنه فعلا يخشى من يمثلون النظام والأمن، ويعتقد بأنهم لن ينصفوه بسبب مذهبه ولن يقوموا بحمايته من صاحب هذا التصرف الأحمق، وإلا كان سيبادر من تلقاء نفسه للجوء إليهم هربا من تعنيفه. في هذا المشهد المؤلم الصغير أتساءل: هل يعتقد البعض بأن النظام لدينا يقوي شوكة المحرضين والجاهلين وحمقى الحماس المنقاد للطائفية العمياء التي تشربها الكثير خلال حياته حتى بات الانفكاك عنها يحتاج جهدا كبيرا؟
في غضون يومين من انتشار هذا الفيديو لصاحب سيارة التاكسي حدث الهجوم الإرهابي الجديد على حسينية الحمزة في بلدة سيهات التي راح ضحيتها خمسة شهداء وعدد من الجرحى بعد إطلاق نار من أحد الأشخاص المتمنطقين بحزام ناسف استعدادا لعملية أكبر دموية، ولكن رجال الأمن أردوه قتيلا بعد أن أمطر المصلين بوابل رصاص من سلاح كان يحمله. ونعود للتساؤل: هل النظام لدينا "يحمي" الجميع ويدافع عنهم مهما كانت انتماءاتهم ومذاهبهم وأفكارهم؟ الواقع يقول نعم، ونصوص النظام بالأصل تحمي الغريب قبل صاحب الدار، ما يحدث أن هذين المشهدين صورا تطرفا تحاربه الدولة في الآونة الأخيرة بكل ما أوتيت من قوة مادية ومعنوية، ويمثل صورتين من الإرهاب الذي أُبتلينا به بين أبنائنا وفي أوطاننا وممن يعيشون بيننا، الأول ذلك المنسوب لجهات خارجية كـ"داعش" التي تتولى كل العمليات الإرهابية الأخيرة حول العالم وتدعي انتصارها للسنة وأهلها داخل المملكة، وتحاول أن تكسب عواطف الجماهير بهذه التلويحة القذرة وتستغل ما تراكم لديهم في لاوعيهم منذ عقود عن أحقية الغلبة والانتصار على جميع أصحاب المذاهب والانتماءات والأديان الأخرى ولو بإيذائهم وقتلهم، حيث إنهم "كفار" حسب أدبيات هذا الفكر المتشدد الذي لا يكاد يخلو منه بيت أو فصل دراسي إلا ودارت فيه أحاديثهم ومواعظهم عن هذا التكفير والتنفير من الآخر. والنوع الثاني من الإرهاب الذي يختزله المشهد الأول، خاصة هو الإرهاب الفكري والمعنوي، المتمثل في البقاء في خوف من الآخر وتوجس من نواياه وتوقع الإساءة منه التي قد تحدث بالفعل لدرجة الضرر وفقد إحدى الضرورات. والأطراف المعنية بالنوع الأخير هما أتباع المذهب الشيعي والمذهب السني في البلد، الذي لم نكن نسمع بهذا التقسيم الواضح بينهما ولا تصاعد التوجس والعداء والتخوف بين أفرادهما إلا في السنوات الأخيرة بشكل مؤسف، بعدما ارتفع صوت الكراهية والتحريض والتخوين وتركت على عواهنها.
رجل الأمن وهو يقف في ميدان عمله يؤدي واجبه دون تمييز بين لون ومذهب وانتماء للمواطنين الذين أمامه، يشبه الرجل سائق التاكسي الذي يكسب قوته عبر الدوران في شوارع مدينته ينقل الأشخاص دون تمييز بين ألوانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، وكلاهما يحتاجان الأمن من مشرّع أعلى يضمن سلامتهم وهم يمارسون حياتهم اليومية ويباشرون أيامهم دون خوف ممن يقاسمهم الوطن ولقمة العيش.
الحرب مع داعش لها ميادينها الفكرية والأمنية التي قد تطول على قدر تعمق وتمكن هذا الفكر المتطرف في أبناء هذا الوطن، ولكن الإرهاب المعنوي والفكري والنفسي الذي يمارس على الشيعة من السنة وعلى السنة من الشيعة وعلى المرأة من الرجل وعلى الصغير من الكبير وعلى الموظف من صاحب العمل وغيرها من صور؛ بالإمكان الحد منه والسيطرة عليه تماما بقرار "جازم" يضع قوانين واضحة وصارمة تجرم الطائفية وتقف ضد الكراهية والتحريض والتعنيف والتحرش. استجابة النظام لبعض الوزارات بسرعة كبيرة في إقرار عقوبات وغرامات وتنظيمات إجرائية لسير عملها وتنظيمه ينبغي أن نرى مثلها في المجال الأهم المتعلق بأمن وطننا وسلامة المواطنين وتعزيز قيمة المواطنة والتعايش السلمي بين جميع أفراد المجتمع ومن يقيم بينهم.
نظرة ونبرة الخوف في صوت الرجل الخمسيني صاحب التاكسي، والأجساد الطاهرة التي سقطت بعد أدائها الصلاة في سيهات وما صاحبها من الذعر والرعب في قلوب الأطفال والكبار هناك، والقلق الذي ينتاب رجال الأمن وهم يمارسون عملهم في بعض المناطق؛ يجب أن يوضع له حد بالإسراع في وضع القوانين دون انتظار تمريرها عبر مداولات وتنظيرات مجلس الشورى الذي كان موقفه سلبيا آخر مرة حينما رفض بالأغلبية ثلاث مقترحات لتشريع نظام للوحدة الوطنية التي نحن أحوج ما نكون إليها الآن قبل أي وقت آخر، وقبل أن تتسع رقعة جراح الوطن، فبالقانون وحده وقوته تسود الأمم وتحفظ الأرواح والأوطان.