أصبح من برستيج المثقف السعودي أن يبدأ يومه بكأس القهوة على أنغام صوت السيدة فيروز، ولا شك أن السيدة فيروز كانت سابقة لعصرها، فقد نقلت الأغنية المحلية اللبنانية إلى كل البلدان العربية.
العجيب أن أغاني فيروز كانت قصيرة من أربع إلى ست دقائق. في تلك الحقبة كانت السيدة أم كلثوم وفريد وعبدالحليم يغنون الأغنية الواحدة لمدة ساعة تقريبا، بينما فيروز كانت في ساعة واحدة تقدم عشرة أغان.
أعود إلى المثقف السعودي الذي يتغنى بالدلعونا والميجنا، وهما من التراث اللبناني، وفي الوقت نفسه يحتقر الفن الشعبي في بلاده!
كل الشعوب تعتز بفلكلورها وفنونها الشعبية إلا نحن! فلو قلت لأحدهم إني أطرب لبشير شنان أو حمد الطيار أو أبي سراج أو فهد عبدالمحسن، لنظر إليك باستحقار وازدراء!
الفن الشعبي لدينا محارب، ويُنظر إليه بدونية، رغم أن كلماته وألحانه فيها جمال وأصالة وتاريخ.
كان الفنان الشعبي يعاني اضطهاد المجتمع والإعلام، وتسلط رجال الهيئة، لدرجة أن بعضهم إذا وضع العود في السيارة يقوم بتغطيته "ببطانية" أو قطعة قماش حتى لا يُرى وكأنه سلاح آر بي جي!
في المقابل، يحمل كثير من المواطنين أسلحتهم في الزواجات والمناسبات ويرمون بها! فهل خطر العود أكثر من خطر سلاح رشاش؟!
ناهيك عن أن أكثر الفنانين الشعبيين كانوا يعانون مشكلة أين يقيمون حفلاتهم، فغالبا تكون في البر أو في مزرعة أو استراحة خارج نطاق العمران، وكأنه تنظيم سري!
في مجتمع يعلّم البعض فيه أطفاله كيف يحملون السلاح، وكيف يرمون به، وأنه من "المرجلة"، ويحارب الموسيقى والفن، فماذا ننتظر أن تكون مخرجات بعض هذا المجتمع؟
العجيب أن هذا المجتمع نفسه هو أكبر سوق فني في المنطقة، وكل شركات الإنتاج تستهدفه.