إن قضية الوعي بكل مرادفاته ومصطلحاته قضية هامة لما تجول به ثقافتنا من منعطفات حادة تكاد تتشقق الأرض من تحت قدميها ونحن واقفون على حافة حادة تأكل منسأة الذات العربية بشكل خاص.

حقيقة الأمر أن مشكلة الوعي هذه لا تنبت نباتا حسنا إلا إذا تجذرت في صفوف العامة، وتم إصلاح ذلك الجسر المكسور بين النخبة والقاعدة، والتي استأثرت به لنفسها دون غيرها وهذه داهية من دواهي الزمن!

فالوعي الممكن هو ما يسمى بـ"القوة الصاعدة" لأنها تتجاوز الوعي القائم بالفعل. والتي تكون في المستقبل القوة النائبة والتي تعمل على قيام الدولة وتطورها واستقرارها.

ذلك ما يحقق الوئام بين الوعي والمعرفة فتستأنس ثقافة العصر ومبدعوها، وبالتالي يندمج الفرد في تلك البنية الثقافية في إطار واحد إذا ما اعتبرنا النخبة هم علماء هذا الطرح. لهذا يبرز دور العلماء والانتليجنسيا في تحقيق تلك المهمة.

ومما لا شك فيه أن ما تقدمه وسائل الإعلام وخاصة المرئية منها هو نوع من مهارات التخدير! وللتخدير فنون ونظريات عبر العصور أخذت من منظريها مأخذا وطرائق، في فنون الاستلاب كي تتم السيطرة على القاعدة العامة إذا ما شبت القوة الصاعدة نحو المركز!

ولا أعتقد أن حل المشكلة في إصلاح ما يقدم عبر الفضاء الرحب، لأن ذلك يعد أمرا مستحيلا؛ ولكن صياغة الوجدان الجمعي نحو الوعي التام -ليكون جديرا وقادرا على اتخاذ القرار، وهو أهم ما في الأمر، يحقق التفاف النخبة حول القاعدة، وإذابة صرح الجليد المكون منذ سنوات بين دفتي الخطاب في مناخ محموم بالحب والثقة، فإذا ما تواجد الحب حتما ستكون الاستجابة سريعة والذهنية متقبلة ومتحاورة ومتقدة.

لقد ازدهر الوعي في بلادنا حينما كان علماؤنا يجلسون في دائرة يحيط بهم من مريديهم ومحبيهم حيث النقاش في كل محاور الحياة يوميا وبدون كلل ولا ملل. هنا ما أسميه بالرضاعة الأدبية والثقافية إن جاز التعبير، وامتد هذا الوضع إلى الجيل السابق من تلك الحميمية والحب والتلقي الممتزج بالمتعة. فكان نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد والحكيم وغيرهم يجلسون كل ليلة في مقهى يفد إليهم من يشاء أن يرتشف من نهر وعيهم ويأنس بالمعرفة ورقي التفكير، أما الآن فنجد أن هناك صرحا من الجليد بين علماء الطرح والوعي والمعرفة وبين القاعدة، وهو ما خلف لنا ثقافة الانكفاء ومناطحة الحوار وعدم الاعتراف بالآخر، بل والهجوم على علماء الأمة ومثقفيها في خطاب متواز يبعث على الاغتراب.