بسطاء مهمشون يساكنون الناس في ديارهم قبل خمسين عاما أو أكثر، قادمون من المجهول وذاهبون إلى المجهول، يعيشون علي الحافة من الحياة غاضبون حينا ساخرون حينا آخر، في دواخلهم اغتراب نفسي جارح، يغلب علي سلوكهم الشرود الذهني والهذيان والانكسار والتأزم والغموض الكثيف، عجزت المجتمعات عن إعطاء توصيف لهؤلاء البشر (دراويش، زهاد، مشردون، منقطعون، مهابيد، غرباء، مهابيل) وغيرها من المسميات، تلمحهم في الأزقة وطرقات الأحياء القديمة، وفي الزوايا المظلمة والمنعطفات، يلوكون هشيم الفراغ وكوابيس العمر وأرق المكابدة والخذلان، يملكون أسرار الحي وحكايا المجتمع وبالذات المسكوت عنها والمخبوء، يكسوهم الشحوب والتوهان والاضطراب والأسمال البالية، ولكن طيبة أهل الأحياء وسكانها تجعل مهمة استمالتهم سهلة، والسعي إلى تأهيلهم ضمن نسيج المجتمع لا يشكل صعوبة تذكر، في أحياء مدينة أبها (مناظر، القري، الربوع، الخشع، النصب، مقابل، المفتاحة، الصفيح، ضباعة، لبنان، نعمان) كانت تظهر هذه الكائنات فجأة وتختفي حين يؤوب المساء، وكان أشهرها (دنحي) فهو أشبه بالأسطورة لا بيت ولا أسرة ولا سلالة عائلية، يعرفه أهل أبها جيدا وبالذات من عاصر تلك المرحلة، يقول عنه الصديق معالي الأستاذ الأديب عبدالرحمن السدحان الأمين العام لمجلس الوزراء: "دنحي اسم فلكلوري تختزنه ذاكرة المسنين من أهالي أبها، كان يحمل هذا الاسم (الحركي) الغريب، إنسان نسيه الحظ وجمح به قطار العمر دون أن يدرك من نعيم الحياة شيئا، هجر قريته ليستقر في أبها متشردا يفترش أرضها ويلتحف سماءها ليلا ويتخذ من أرصفة حوانيتها متكأ ومقاما، فإذا أطل النهار أخذ يسعى في الطرقات العامة بلا هدف ولا غاية لا يتحرش بأحد ولا يخشي من أذاه أحد، كانت عيناه (سحارتين) من الأسرار، ولو وجد هذا الإنسان (الظاهرة) في زمننا لتسابقت عليه وسائل الإعلام والتلفاز خاصة، للتعرف عليه والتعريف به والاستماع إلى ما قد يكون لديه من رؤي تتعلق بعصره، إذا لم يجد من يحنو عليه بمال أو غذاء لجأ إلى العمة (غاموشة) صاحبة (السوبرماركت) المتواضع في أعلى رأس (أملح) وسط سوق أبها لتهبه شيئا من فاكهة الموسم، وقد يكرر المشهد مع (منافسها) المجاور لها العم (علي العريني) فلا يبخل عليه بما يرغب لاستهلاكه الآني"، كان هذا التوصيف الدقيق لشخصية (دنحي) كما رواها الصديق السدحان، تنسحب أيضا علي بعض تلك الشخوص التي عرفتها أحياء مدينة أبها، ولكنها لا تتمتع بالسطوة والرعب والشهرة التي كان يشكلها دنحي، فهي أقرب إلى الهدوء والوداعة وعدم الرغبة في الاشتباك مع أبناء الأحياء في العراك والمطاردة وإثارة النزاعات والتخاصم، بل يميلون إلي توظيف قدراتهم لخدمة الآخرين والتصالح مع المجتمع، واستجلاب محبة الناس والرغبة في العمل ومجاهدات الحياة.