هبطت المعلمات على هذه الأرض الجميلة مع هبوط قرار تعليم المرأة لأرض الواقع؛ وكانت أكبر عمليات سعودة للوظائف مرت بها البلاد -حسب ظني- هي هذه العملية قبل حوالي عقدين ..

التعليم أحدث فجوات اجتماعية بين رفض فكرة التعليم والإسراع بتزويج البنات صغيرات السن خوفا من استمرارهن في الدراسة؛ حتى ظهر العامل الاقتصادي، فأصبح البحث عن معلمة للزواج يشبه البحث عن الكنز!

المعلمة كلمة تعبر أحاديث النساء في عبارة حسد أو غبطة لدخلها؛ وفي أحاديث الرجال في أمنية بالزواج أو في حسد لزوجها بدخلها أيضا... ولا أحد يحسدها على غيره!

وتطور الحلم وكبر عند بعض الرجال حتى تحول لهاجس عبرت عنه صديقة لا تملك سائقا بقولها إنها لا يمكن أن تخاطر بأن تذهب لعملها مع سائق ليموزين سعودي، لأنه إن لم يخطبها في المشوار الأول سيفعل في الثاني فهي مدرسة!

أحد الشباب أصر أن يتزوج معلمة لم تبلغ الثلاثين، وبعد البحث فوجئ بأنه لم تعد هناك معلمات بهذا العمر، فهن لا يصلن لهذا العمل بعد المفاضلات والانتظار والقرى إلا وقد مضى شطر الشباب!

وبهذه المناسبة أوجه تحية للخريجات القديمات العاطلات على مطالبتهن وصبرهن وانتظارهن للعمل.

المعلمة مطلوبة أيضا مسفار ومطفار وزواج وناسة وأنواع الزواج التي ما أنزل الله بها من سلطان إلا سلطان الجهل والاستغلال والجشع والتلاعب بعواطفها ودخلها؛ ومن فاتهن قطار المال والأعمال المربحة لاحقن قطار التعليم السريع! ومن يدري ربما مع كثرة حالات التقاعد المبكر تتحول المتقاعدة أو الأرملة لحلم!

المعلمة الدور الفاعل غائبة أو مغيبة عن المجتمع، فهي لا تخرج عن دائرة البيت والأسرة والمناسبات الاجتماعية التي يسمح لها بها عملها، وتضيق الدائرة على معلمات التخصصات المثقلة بالحصص.

وليس هذا تقليلا من شأنها بل توضيحا للطبيعة التي فرضتها عليها الحياة المثقلة بعطائها الخاص، وربما تضطر لترك العمل أو التقاعد للحصول على فرصة ما للدراسة أو الكتابة الأدبية وتنشط من عقال الوزارة مع العلم أن كثيرا من كاتبات مواقع التواصل معلمات يتنفسن الكتابة.

التعليم بعد هذه السنوات والتحولات أصبح مؤثرا ومؤشرا في حركة ووعي المجتمع، لكن المعلمة وجدت نفسها تحتمل المزيد من الأعباء حتى أصابها الوهن في أحيان كثيرة ولجأت لعمل آخر واحتفظت بمسماها الوظيفي كمعلمة في الوزارة لكنها لم تعد تُعلّم.

على الأرض بدأت المعلمة تُفقد (بضم التاء) في بعض التخصصات وفي مدارس المدن الكبرى، اليوم مضى منتصف الفصل الأول وما زالت بعض المناهج بلا معلمة – وثانويتنا إحداها- وهي تخصصات ليست بالمعقدة أو التي يصعب إيجاد معلمات لها أو التعاقد كالدين والرياضيات اللذين يحتاجان أكثر من معلمة، ومعلمات المدرسة أكملن نصابهن الشرعي بحده الأقصى، وبدأت مطالبات ليحملن أثقالهن وأثقالا مع أثقالهن!

المعلمات يتحولن لأعمال إدارية والتعليم يفرغ منهن بسبب ذلك، وبسبب التقاعد المبكر أو وصول السن القانونية للتقاعد والأمراض الخطيرة التي تستدعي إجازات طويلة تصل لسنوات. والمؤشرات في التعليم لا تبشر بخير، وليس ما يحصل ناتج عن عرض طارئ، بل مرض مزمن، وهو تضخم عدد المتسربات من التعليم للإدارة، وبقاء المسمى الوظيفي محسوبا على الوزارة؛ وتحول التعليم للبحث عن حلول هشة وغير مقنعة، وإرسال داعية للمدرسة هي بالأصل على مسمى معلمة دين لتعلم المعلمات، وترك الطالبات دون معلمات مشكلة في تصوري!

وبعد أن وصلت الأنصبة للأربع وعشرين حصة وحدث التسرب يتم اللجوء لآلية سد العجز العاجزة لتصبح بعض مدارس المدن الأقدم وكأنها مدرسة في هجرة تسند التخصصات فيها إلى غير معلماتها!

آلية سد العجز التي تشمل التخصصات القريبة تشمل أن تقوم المديرة والمساعدة والموجهة بالتعليم بحكم كون مسماها الوظيفي ما زال معلمة، لكن هذه الآلية لو طبقت لن تحل عشرات الحصص التي تنوء بها العصبة!

التعليم لا يسد عجزه ولا تحل مشكلات النقص إلا بالندب، والندب إن نفع في الرخاء فلن ينفع في الشدة، وأعني الندرة والإجازات والمرض الذي يعجز أصحابه عن مزيد من العمل؛ عدا أن المتسربات أكبر من المعينات.

أعود للعنوان لأكمله بأن هروب معلمة من التعليم أمر محتوم؛ فعدا المتقاعدات تقاعدا مبكرا هناك المطالبات بالتقاعد لمرض والحالمات بخبرة لم تحتسب لهن سعيا للراحة الأبدية من هموم التعليم بعد إكمال العشرين؛ وبعضهن يردن الراحة والدعة، والبعض الآخر تقول لم أعد أقدم دوري كمعلمة في وسط ما يطلب مني من أدوار، وبعضهن جربت التوجيه والإدارة ووجدت أنها حل غير مناسب لها.

لو عدت لما بدأت به لأقول عن الأعباء التي تلقى على كاهل المعلمة قد تقودها لأي نوع من الهروب، خاصة مع هروب العمالة من المنازل وكوارث الاستقدام الذي يحملها للمدرسة سائقا ويحمل أطفالها في البيت خادمة... يا وزارة انتبهوا لمعلماتكم وقلصوا حالات التسرب بتقديم خيارات عمل مريحة، وسهلوا فتح الحضانات للأمهات، ولا تدعوا العام الدراسي يضيع علينا في مراجعة المستشفيات والركض بين مكاتب التوجيه وشؤون المعلمات، وسدوا العجز بالتعاقد مع بناتنا المؤهلات المنتظرات!