على مدى ما يقرب من عامين، كانت أخبار القضاة حاضرة بشكل مستمر في المشهد الإعلامي السعودي، وهو ما يمكن تفسيره بأمر واحد، فالوعي الاجتماعي والطموح الوطني والتطلعات المستقبلية التي يقودها خادم الحرمين؛ كشفت أن كثيرا من الوعي القضائي لدينا لا يزال أقل من الطموح، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى عائق تنموي ومؤسساتي يقدم أمرا أشبه ما يكون بالخذلان لفكرة الدولة والمؤسسات، ولعل قصة موقع (قاضي نت) تكشف كثيرا من ذلك، فقد كان أشبه بالاستراحات المغلقة التي يجتمع فيها من يخططون لأمر ما، إلا أنها كانت استراحة إلكترونية، ذات قفل حديدي، وهي في واقع الأمر ليست سوى دليل على حالة المقاومة والممانعة التي تقوم بها شريحة من القضاة في مجابهة التطوير والتنظيم وحفظ الحقوق والارتقاء بالعمل القضائي من صيغته الفقهية إلى صيغة قانونية حديثة.
كل ما يكتب عن القضاة لا علاقة له بهيبة مؤسسات القضاء، ولا يمثل تعديا عليها من أية جهة، والقضاة الذين يثقون في أنفسهم وفي علمهم وفي توجههم الوطني، لا يشعرون بشيء من ذلك، بل إن ما يحدث يمثل دعوة جديدة لحالة من الفرز التي ينتظرها الوطن في سلكه القضائي بين قضاة وطنيين يملكون من الأداء ما يرسخون به قيمة الدولة وتطلعاتها، وبين من هم خائفون على ولاءاتهم وانتماءاتهم.
وما بتنا نطالعه من قضايا وأحداث تخص بعض القضاة، وتحصد كثيرا من النقد ليس من الإعلام فقط، بل من قضاة وفقهاء ودوائر شرعية مماثلة، يثبت لنا بأنه ليس كل ما هو قائم الآن في القضاء السعودي صالحا للسعودية أمنا واستقرارا وتطلعا.
تتبدى خطورة القضاة الحركيين في كونهم – بشكل أو بآخر – يمثلون جزءا من السلطة، مما يعني أن إضرارهم بالسلطة والدولة سيكون أكثر نفوذا وتأثيرا، بل هو أشبه بموقف معارضة واضح، وهو ما يتجلى في مظاهر تبدأ بالبيانات الحركية ولا تنتهي ببعض الأحكام الغريبة التي لا مكان لها في زمن المؤسسات.
إننا حين نتحدث عن قاض منظم، أو مسؤول في القضاء وذي توجه حركي راسخ، فإننا نتحدث عن اختراق حقيقي للدولة، بكل ما يعنيه هذا المفهوم من خطورة، يعود ذلك إلى أن من هم جزء من السلطة يستطيعون تمرير مختلف المواقف، واستخدام ما يملكونه من أدوات سلطة لا في سبيل دعم الأهداف الفعلية للسلطة العليا، وإنما لدعم أهداف الانتماء التي ينطلقون منها.
من الواضح أن ثمة مشكلة في التأهيل القضائي لدينا، وأدواته ووسائله ورؤيته إذ يكاد القضاء يقتصر على الفقهاء ذوي المعارف الفقهية فقط، وهو ما يمثل مشكلة كبرى؛ ذلك أن الفقه بمفهومه السائد هو عبارة عن متون ومحفوظات تم تأليفها في أزمنة لا علاقة لها بزمن الدولة والمؤسسات، ولو أن ما يحدث في دراستها يتم عن طريق تقريبها للواقع أو إنتاج معارف فقهية جديدة مرتبطة بالواقع لكان الأمر أكثر جدوى، لكنه لا يخرج عن الحفظ والترديد (الشيخ عايض القرني كتب مؤخرا مقالة مؤثرة ومهمة للغاية عن حفظ المتون) وفق الذهنية القديمة، ما يجعل القاضي الفقهي يعيش حالة من المفارقة بين واقعه وبين ما يعرفه، وما عايشناه من أحكام فقهية حول تكافؤ النسب مثلا، تشير إلى شيء من تلك الورطة.
على الجانب الآخر، ورغم قلتهم إلا أن بعض القضاة الذين يدبجون البيانات الحركية هم من أكثر القضاة حرصا على إظهار التشدد، كنوع من إثارة الغبار والتعمية على ما يقومون به من مخالفات دينية قبل أن تكون نظامية، فأكثر القضاة اشتغالا بالقضايا التي تظهر تشددهم وتقدمهم دعائيا على أنهم أشداء في الحق كالأحكام المتشددة أو التصدي للقضايا التي حدد لها ولي الأمر جهات نظر غير قضائية هم في الواقع من أكثر القضاة اقترابا من الإضرار بالدولة الحديثة.
منذ يومين فقط، حكمت محكمة في عرعر بالقتل على شاب ابتز فتاة، ومع ما في الابتزاز من جناية كبرى تستحق عقوبة مؤثرة إلا أن القتل لا يمكن أن يكون الحكم الأنسب، وقد أطلعتنا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كثير من قضايا الابتزاز والتي كان يتم التعامل معها بنوع من التربية والتأديب وبعقوبات رشيدة وحكيمة، مهما كانت حدتها إلا أنها لا يمكن أن تصل إلى القتل، علاوة على أن التهمة التي أطلقتها المحكمة وهي تهمة (الاتجار بالبشر) لا مكان لها في الوعي القضائي الحالي بل ليست جريمة يمكن العقاب عليها بالقتل، إضافة إلى أنه وفي كل الأعراف العالمية لا يمكن إيجاد أية علاقة بين الاتجار بالبشر وبين الابتزاز كممارسة تافهة وسطحية تتغذى على العيوب الاجتماعية القائمة لدينا.
إننا ونحن نعدد ما يمكن تسميته بسوابق قضائية، نجد أننا أمام قلق اجتماعي كبير، إذ تتنوع احتياجاتنا من القضاء، بينما بعض القضاة لا يزال يهم بصرف وجهه عن أحد المتخاصمين إذا كان حليقا أو مسبلا لثيابه، أو ليس الحلق والإسبال من المنكرات التي تحتم على القاضي أن يبرئ ذمته منها؟ وكل حليق ومسبل هو مرتكب لمعصية توجب تعزيره أصلا؟ إنه لطف من فضيلة القاضي أن يسمح لحليق أو مسبل بدخول المحكمة!!
أمس الأول وعلى صدر هذه الصحيفة قال الشيخ إبراهيم الحقيل رئيس ديوان المظالم كلاما مهما للغاية، وفي واقع الأمر فإذا كان موقف جهة كديوان المظالم يحمل كل هذه الإيجابية وتلك الرؤى التنظيمية، فهذا يعني أن لا مشكلة لدينا على مستوى التخطيط والرؤية، إنما على مستوى قدرة الكوادر القضائية جميعا على تنفيذ تلك الرؤى المتقدمة، والالتزام بها، ومدى قدرة القضاء على أن ينظف نفسه بنفسه.