كثيرا ما يطرح السؤال حول الصراعات العرقية والمذهبية والدينية في العالم، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد، بسبب الأوضاع التي تعيشها المنطقة وطبيعة العلاقات السياسية، ويزداد هذا النقاش سخونة عند الحديث عن العلاقة بين العرب والفرس. البعض يرى أن الخلاف مع إيران بسبب المعتقد الذي يتبناه النظام الإيراني الحالي ذو الصبغة الطائفية الواضحة من خلال الإعلان دستوريا أن البلاد شيعة إثني عشرية، وهي بذلك تركز في المقام الأول على الطائفية الضيقة على الرغم من وجود تنوع ديني ومذهبي واسع في البلاد.
آخرون، وأنا أحدهم، يَرَوْن أن الخلاف قومي بالدرجة الأولى، وذلك ببساطة لأن الصراع القومي بين العرب والفرس قد سبق ظهور الدين الإسلامي، ناهيك عن المذهبية التي ظهرت في القرون المتأخرة، ولذلك أنتجت النزعة القومية كل ما ترون من نزاعات مختلفة ومتنوعة والهدف واحد لأن المحرك في الأساس واحد.
من الشواهد الواضحة الداعمة لهذا المنحى ما ذكره صاحب كتاب "العقد الفريد" حول النقاش الذي دار بين ملك الحيرة وكسرى. خلاصة ما ذكره ابن عبدربه الأندلسي أن النعمان بن المنذر ذهب إلى المدائن فلما دخل على كسرى ملك الفرس وجد عنده وفود الروم والهند والصين، وقد أخذ كل وفد يذكر في فخر ملوكهم وبلادهم، فالتفت كسرى إلى النعمان وقد أخذته عزة الملك فأخذ يعدد مفاخر أهل الصين والروم والهند والترك، وبعد أن فرغ من ذلك بدأ بالحط من قدر العرب وعاداتهم وتقاليدهم وطبيعة حياتهم وشظف عيشهم. وبعد أن فرغ كسرى من ذلك رد النعمان بن المنذر عليه وفنّد كل كلمة قالها كسرى ضد العرب وأبرز مكانتهم وقوتهم، وكيف أن تلك العادات التي يراها كسرى من المثالب تعد من المفاخر للعربي وقال: "إن أي أمة نقرنها بالعرب إلا فضلتها".
من هذه القصة التي سبقت ظهور الإسلام يتضح جليّاً أن الصراع القومي بين العرب والفرس متجذر بعمق التاريخ، إلا أنه قد خفت بعدما عرف بالحركة الشعوبية (الفترة بين القرنين التاسع والحادي عشر)، ثم عاد بشراسة مع منتصف القرن الثامن عشر، حيث ظهور الحركات القومية في الغرب، ثم تأثر بها بعد ذلك كثير من شعوب الشرق، ويتحمل الاستشراق الغربي جزءا كبيرا من ذلك.
خلال القرن التاسع الميلادي لعبت مدارس الاستشراق المرتبطة بقوى الاستعمار دورا محوريا في إشعال فتيل الصراع القومي من جديد، وذلك ضمن استراتيجية سياسية حاولت الإخلال بالعلاقة بين شعوب الشرق، فظهرت التصنيفات اللغوية (سامية وهندية وأوروبية)، ثم التقسيمات العرقية تبعا لذلك، وظهرت نظرية العرق الآري التي ربطت الفرس بالغرب عرقيا بعد الربط اللغوي. لقد بدأ النزاع القومي الجديد وما يمكن أن نطلق عليه حركة "الشعوبية الجديدة" neo-Sho'ubism لغويا على يد القاضي واللغوي البريطاني سير وليم جونز، ثم عرقيا من قبل ماكس مولر، ثم آريًّا على وجه التحديد على يد القائد الألماني أدولف هتلر الذي اعتبر إيران الموطن الأصلي Proto-land للعرق الآري الذي من وجهة نظر أتباع النزعة النازية الأكثر عراقة ونقاء وفي مرتبة أعلى من سائر الأعراق.
لقد استدرجت مدارس الاستشراق الفرس نحو الغرب بشكل مكثف، وعزفت مدارس الاستشراق على الجانب التاريخي والحضاري، وبدأت حملات التنقيب عن الآثار، بل ذهبوا إلى تزوير التاريخ فتلقف القوميون الفرس ذلك واعتبروه حقيقة، ونقلوه إلى المناهج الدراسية وأصبح يدرس للتلاميذ في المراحل التعليمية المختلفة.
وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر خرج قوميون مرتبطون بالبلاط القاجاري يطلقون على الإسلام "دين العرب" وأوغلوا في العداء للإسلام إلا أن البعض قد امتدح الدولة الصفوية التي من وجهة نظرهم قد جعلت لإيران مذهبا (التشيع الصفوي) يميزها عن العرب. لقد ظهر في تلك الحقبة مصطلح "التطور العكسي" ورأوا أن الإسلام والثقافة العربية قد أعادا إيران إلى الخلف بعد أن كانت متميزة حضاريا وثقافيا على كثير من الأمم، بل إن مثقفا قوميا إيرانيا يدعى "فتحعلي آخوندزاده" قد قال إن ما تعيشه دول الغرب من تقدم في ذلك العصر (القرن التاسع عشر) أقل بكثير مما كانت إيران قد توصلت إليه وعاشته قبل دخول الإسلام.
بعد تشكل الدولة البهلوية وصلت النزعة القومية وفوبيا الآخر العربي "عربوفوبيا" ذروتها، وتمت معاداة كل ما يمت للعرب ولغتهم وثقافتهم بصلة، وقد استمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين. وبعد ثورة 1979 التي أوصلت الملالي إلى الحكم حاول النظام الجديد إخفاء النزعة القومية تحت عباءة المذهبية على نسق الدولة الصفوية تقريبا، ولكن خطابات وتصريحات المسؤولين في إيران تكشف جانبا كبيرا من حقيقة أن النزعة القومية والموقف العرقي لا يزال قائما.
خلاصة القول، إن الخلاف مع إيران لم يتغير في جوهره، بل اختلف ثوبه الذي يرتديه حالياً وفقا للظروف التاريخية والسياسية. بل يمكن القول إن العنصر المذهبي زاد من توهج الصراع وأضرم النيران بين ضفتي الخليج العربي، ويجب أن يدرك العرب والفرس على حد سواء أن لا خيار لهم سوى التعايش، فالجوار الجغرافي عامل لا مفر منه، ولن يستطيع أي طرف تغيير هذه الحقيقة، وإذا كان التعايش ممكنا في ظل النزعة القومية فقد تراجعت فرصه مع وجود النظام الذي يعزف على وتري القومية والطائفية على حد سواء، كما أن من يحلم بإعادة أمجاد قد ذهبت لغير رجعة لن يتقدم خطوة واحدة نحو التعايش والتسامح وحسن الجوار، كما أن العيش بسلام يكمن في التوقف عن مطاردة السراب والأحلام الإمبراطورية البائدة.