برنامج "فطن" الذي أطلقه وزير التعليم عزام الدخيل مؤخرا ما هو إلا تطوير لبرنامج "الأمن الفكري" الذي تم تعميمه على المدارس كافة في عهد الوزير الدكتور محمد الرشيد، رحمه الله، قبل أكثر من 11 سنة، وأكثر ما أخشاه على هذا البرنامج أنه يمر فقط بمرحلة تغيير المسميات التي نعشقها ونعمل كثيرا على إظهارها في الإعلام أكثر من عملنا على جدية تطبيقها وقياس النتائج المرجوة إثرها.

الفرق بين برنامج "الأمن الفكري" في عهد وزير التعليم الراحل الدكتور محمد الرشيد، رحمه الله، وبرنامج "فطن" في عهد الوزير الحالي؛ أن الأول يطبق بطرق تقليدية وذلك بعرض بعض صور ضحايا الإرهاب والعنف والجريمة في الطابور الصباحي وخلال الأنشطة المدرسية وفي حصص التعبير والصحف المدرسية، والثاني يتم تطبيقه بطرق حديثة ليكون عبر موقع إلكتروني خاص، وبالتفاعل من خلال برامج حديثة لم تتسن لجيل العقد السابق مثل "تويتر" و"اليوتيوب" و"الفيسبوك" و"الإنستجرام"، ولا يهم اختلاف الآلية في تطبيق برامج التوعية أيا كان نوعها بقدر ما يهم الجدية في تطبيقها، حيث من أكثر الملاحظات التي تأخذ على مثل هذه البرامج هو عدم وجود آلية واضحة لمتابعتها وتترك للجهات التابعة ثقة التطبيق التي تتراوح بين الجدية التامة والشعور بالمسؤولية في تحقيق أهداف البرنامج، وبين الاستهتار بها والسخرية من عدم جدواها في تصرفات لا مسؤولة تعكس مدى قصور الوعي لدى تلك الإدارات التي من المفترض أن لديها القدر الأدنى من الحكمة وطول النظر في أهمية برامج التوعية.

ولأن برنامج "الأمن الفكري" تم تعميم تطبيقه في مدارسنا السعودية منذ أكثر من عشر سنوات فإني وجهت أسئلة للطلاب في مراحل دراسية مختلفة من الجنسين وفي ثلاث مدن متفرقة مثل الخبر والرياض ونجران، عن مدى استفادتهم من برنامج الأمن الفكري الذي طبق في مدارسهم فكانت إجاباتهم كالتالي: طالب في المرحلة الثانوية يقول: "لأول مرة أعلم أن هناك برنامجا اسمه الأمن الفكري ولم يسبق أن قامت مدرستنا بإقامة أي برامج هدفها التوعية ضد مخاطر الإرهاب، وكل ما أذكره أنه كانت هناك محاضرة حرصت المدرسة على أن نحضرها وكانت عن آلية اختبار (قياس) وكيفية دفع رسومها". وإحدى الطالبات أجابت عن السؤال نفسه بأن برامج التوعية الوحيدة التي تم تطبيقها في مدرستها هي محاضرة واحدة فقط عن مخاطر المخدرات ولم يسبق أن طبقت إدارة مدرستها أي برامج عن الإرهاب ومخاطره! أما بقية الطلاب اكتفوا بإجابة: "لم يسبق أن تم تطبيق أي برنامج يدخل في دائرة الأمن الفكري". وأنا أوجه أسئلتي للطلاب كنت أتمنى لو أجد طالبا واحدا فقط يجيب بأن مدرسته قامت بتطبيق برامج توعوية عن مخاطر الإرهاب وأهمية إدراك أساليب إغواء الشباب في هذا الفكر وتجنب الوقوع به، ولكن للأسف ما اكتشفته أن البرنامج فقط موجود على التعاميم الورقية ولم يكن برنامجا جديا تتنافس المدارس وتتسابق لتطبيقه، بل كان مصيره في الأدراج المهملة في إدارات مدارسنا مثله مثل العديد من البرامج والقرارات التي تقر الجهات الاستراتيجية تطبيقها أملا في جني ثمار الأهداف المرجوة منه، ولكن لا توجد لديهم آلية لمتابعة التطبيق، أو أن هناك عجزا في الأساليب والتقنية الإدارية التي تضمن لهم تنفيذها وإمكانية متابعتها.

برنامج الأمن الفكري التوعوي الذي أقرته وزارة التعليم في مدارسنا منذ أكثر من عقد لم يحقق الهدف المرجو من إقراره، ولذلك ما زلنا نرى عدم إدراك بعض أبنائنا لأهداف التنظيمات الإرهابية واستمرار وقوعهم في شباكهم والتعاطف مع قادتها، بل ويتطور الأمر لدى البعض للانضمام لصفوفهم وتنفيذ أوامرهم في عمليات إرهابية مختلفة ابتليت بها كل منطقة من مناطق الوطن، لا ننسى محاولة استهداف ولي العهد، حفظه الله، عندما كان نائبا لوزير الداخلية، وكذلك قتل الأبرياء في مسجد الطوارئ بعسير والحسينيات لإخوتنا الشيعة في الدالوة وسيهات والدمام ونجران، ومهاجمة رجال الأمن في دورياتهم، وكل من يقوم بهذا الإرهاب هم من أبنائنا -مع الأسف- الذين أشك في أنهم قد استفادوا سابقا من برنامج "الأمن الفكري" أو أن مدارسهم العامة قد قامت بتوعيتهم ضد الإرهاب حتى أصبحوا أهدافا سهلة لمنظمات إرهابية أغوتهم عبر برامجها التقنية، والتي تتواصل معهم بإصرار مستمر عبر كل التقنيات وبرامج التواصل الاجتماعي، بل وحتى ألعاب الأطفال "الأون لاين" لم تسلم من محاولات الإرهابيين لاستدراج أطفالنا لفكرهم.

برنامج "فطن" الذي اعتبره مجرد تغيير لمسمى برنامج "الأمن الفكري" وتطوير لآليات وأساليب التطبيق سيبقى مجرد تصريحات إعلامية غير قابلة للتنفيذ ما لم تكن هناك جدية كاملة ومتابعة وشعور من قبل إدارات المدارس بأن هذا البرنامج كلما طبقناه بجدية ساعد أبناءنا على كشف أهداف المنظمات الإرهابية، وزاد وعيهم بطرق الإرهابيين وأساليبهم الملتوية لإغوائهم، لنجدهم في المستقبل القريب دروعا واقية ضد الإرهاب الذي يهدد أمننا بدلا من أن نجدهم أسلحة موجهة ضدنا في يد أعداء الوطن والدين.