ليس من أحد إلا وهو هدف للإرهاب عاجلا أو آجلا، ليس فقط تنوعنا ومقدراتنا ومكتسباتنا ومساجدنا، بل نحن السعوديين جميعا، كلنا هدف الإرهاب. هدف هذه الرغبة العمياء في القتل، ومن أجل القتل فقط، الإرهاب يحتاج فقط للافتة، وقد حصل عليها باسم الدين، ويحتاج فقط لظروف مهيأة، ومهمتنا عدم تهيئة الظروف له.

من مساوئ الصدف التاريخية أن يكون تفجير المساجد عاملا حاسما في اختيار مفجري أنفسهم في الناس، ففي الجامعات والأسواق والمدارس والطائرات والمطارت لا يمكن تمييز شيعي من سني، لكن المساجد تضمن الحشد المطلوب.

نحن اليوم في وطننا المملكة العربية السعودية نخوض صراعا سياسيا على حدودنا الشمالية، وعسكريا على حدودنا الجنوبية، والحروب لا تخاض على الحدود فقط، فأي عدو سيحاول إنهاك خصمه من الداخل أيضا.

نعم لدينا شحن طائفي وتحريض، لكن مسألة تفجير المساجد والمصلين من الطائفة الشيعية لم يحدث إلا بالتزامن مع الأوضاع الأخيرة في اليمن وسورية وهي حالة تعيشها بلادنا لأول مرة، خصوصا بعد التدخل العسكري المباشر لقوات التحالف العربي في اليمن.

من فجّر مساجد "الدالوة" و"القديح" و"العنود" و"نجران" فعل ذلك بهدف معلن هو أن هؤلاء كفار ويجب قتلهم، لكن هذا الهدف لا يؤمن به سوى القاتل أما مستخدموه ومحرضوه فهم يعلمون أن الهدف سياسي أولا وأخيرا، فهناك إرث من العداء التاريخي بين الفرس والعرب تجدد مع ثورة الخميني، وللفرس غايتهم، وهناك الحالمون بدولة خلافة ولهم غايتهم، وهناك أيضا القوى التي تدعم الفوضى الخلاقة ولهؤلاء غايتهم، والطريق الأقصر إلى كل الغايات الثلاث يمر عبر إثارة الرعب ونشر الهلع وإفقاد المواطنين ثقتهم في أمنهم وقيادتهم وزرع الضغائن بينهم وتفتيت وحدتهم.

ليس الهدف قتل الشيعي لأنه شيعي، فالضحايا كانوا أولاً من السنة منذ عقود، وما يزال رجال الأمن من كل الطوائف هدفا مستمرا لهؤلاء القنابل بذات التبرير الديني الذي يسوقه القتلة، وما يمنعهم عن تفجير مساجد السنة سوى حساباتهم السياسية ومسألة الوقت.

كل واحد من هؤلاء الضحايا، شيعة وسنة، كان يمكن أن أكون أنا أو أنت أيها القارئ السعودي الكريم، أنت وأنا نجونا لأننا، بالصدفة، لسنا هناك. كسعوديين، حتى نعرف خطر هؤلاء، فاعلين ومحرضين، يجب أن نشعر أننا نحن الضحايا أو أقاربنا، هذا بالمنطق الإنساني، والوطني كذلك.

بالمنطق الديني يقول تعالى: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" ليس المسلمين وحدهم بل البشر جميعا. يصعب أن يرقى إدراكنا إلى هذا المستوى الأعلى من تكريم الإنسان وحياته. علينا أن نتصور أن قتل سعودي واحد ظلما هو مثل قتل السعوديين جميعا.

الصراع مفتوح ومستمر وشرس عبر التاريخ لانتزاع الأدوار وثروات ومستقبل الشعوب في أوطانها. الصراع على الأوطان، وليس على الدين أبداً. يمكن لأي مسلم أن يعيش مسلما في أي بقعة من الأرض، وسيحكم الله يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون، وسيحاسبهم أفرادا وليس دولاً أو جماعات.

لقد اختلف الملك عبدالعزير رحمه الله مع جماعة فهمت الدين فهما خاطئا واضطر إلى خوض الحرب معهم ليبقى الوطن، الاختلاف في المذهب والدين لم يكن يوما عامل فرقة بالضرورة، ولم تكن وحدة الدين والمذهب يوما عامل وحدة بالضرورة، الفرقة والوحدة تحتمها الوطنية شعورا وانتماء ومستقبلا، وإلا كيف نفسر حروب المسلمين منذ الفتنة الكبرى حتى اليوم، بل كيف نفسر تعاطف الشيعي مع الضحية السني والسني مع الضحية الشيعي في الوقت الذي يقتل سعد العنزي السني ابن عمه مدوس العنزي السني، وكيف يختلف فهم، مفجر مسجد نجران للدين عن فهم أسرته وجماعته؟

مفهوم الدين يحتمل تعدد الأفهام، صائبة أو خاطئة حتى داخل الأسرة الواحدة، لكن الوطن ليس له إلا فهم واحد جامع لا لبس فيه.

لدينا من المكاسب الوطنية ما نخاف عليه وسنحميه ونضحي من أجله، وفي هذا الصراع المفتوح نحتاج، أكثر ما نحتاج، تكريس هذا الفهم الخالص للوطن.