يسألني صاحبي ونحن في بهو الديوان العالي وفي الطريق إلى لقاء ملك: ماذا كنت ستقول لو كانت لك الكلمة؟ أجبت فورا: هما جملتان لا تحتملان مزيدا من التفسير: مزيد من حرية التعبير، وقانون صارم لتجريم التحريض المذهبي أو المناطقي. في حضرة ملك، ربما اجتمع كل دهاقنة المكوِّن الثقافي الذي قاد صياغة وتشكيل الرأي العام الوطني في العقد الأخير من الزمن ولكن: سأعترف بكل شجاعة أن هذه الأنتلجنسيا قد تكون أمة منقرضة إن لم تدرك طبيعة المرحلة وتحولاتها المدهشة. خذ مثلاً، وباعترافي الصريح أنني أكتب مقالي بقلم "باركر" من شركة مفلسة لم تعد تصنعه سوى للزينة ثم أكتشف كل صباح أن الآلاف من قراء مقالي يدخلون إليه عبر ثلاثة أزرار إلكترونية. وكل ما أخشاه ليس إلا أن سدنة الهرم الثقافي من الذين حضروا ظهر الأربعاء الماضي إلى ديوان ملك لم يستوعبوا بعد نقاط التحول المدهشة، قبل عقد قريب من الزمن كنا نعيش فخر القبيلة. من هو الأكثر والأقوى؟ أهي قبيلة "ع" أم "ق" أم هل هي الحاء أو الميم؟ وكل ما أخشاه أن النخب الثقافية التي حضرت إلى مجلس "أبوفهد" لم تدرك بعد أن الأعوام الخمسة الأخيرة قد ألغت، ووحدها، تاريخ خمسة آلاف سنة من شكل وتشكيل المشهد الثقافي. انتهت تماما أسطورة عدنان وقحطان. أكبر قبائلنا اليوم هو "تويتر" ومن بعدها قبيلة "الفيسبوك"، ولهما بالضبط شيخ مشايخ الشمل مثلما لهما مشايخ أنساقهما وقبائلهما الفرعية. وبعد هاتين القبيلتين تأتي القبائل الصاعدة من الواتس أب، إلى الإنستجرام، وانتهاء بقبيلة "السناب شات" الواعدة. خذ مثلاً أنني أكتب مقالي اليومي من مكتبي المهيب الذي يتوسط غرف أطفالي الخمسة، ومع هذا أكتشف أن جلجلة مقالي وطقوس كتابته لا علاقة لها أبدا بالتأثير الثقافي الذي يشكل مكونهم وشكل حياتهم الخاصة. هم يرون، وبكل وضوح، أن والدهم ينتمي إلى قبيلة من قبائل العرب البائدة، بينما هم وعلى التوالي: مازن ينتمي إلى قبيلة "الفيسبوك"، لمى اختارت أن تكون من قبيلة "الإنستجرام"، سارة، وبروحها المباشرة، اختارت "الواتس أب". محمد ضيف شرف على كل القبائل الجديدة، أما خلدون فقد يصبح بعد عقد من اليوم شيخ مشايخ آل "Xbox". وأنا لا أكتب قبائل أطفالي للاستعراض أو العبث، بل أكتبها من أجل أن يتفهم المثقف النمطي التقليدي طبيعة المرحلة. انتهت المساحة.