أحاول في الفترة الأخيرة الابتعاد قدر المستطاع عن مواقع التواصل الاجتماعي لأسباب عديدة، لعل أهمها أنها أصبحت تؤثر علي بشكل جعلني أكثر تشاؤما وسلبية تجاه المحيط، كما أنها أوصلتني لقناعة بأن المثلين القائلين: "الضرب في الميت حرام" وأني "أنفخ في قربة مخروقة" حكمان ينطبقان تماما على واقعنا اليوم.
سآخذكم معي في جولة سريعة لم تستغرق أكثر من خمس دقائق في موقع تويتر تلخص مشاهداتي السريعة لهذا العالم، فـ"هاشتاق" يتحدث عن اغتصاب سائق باكستاني لفتاة جامعية بدا وكأنه حجة قوية للمدافعين عن حق المرأة في القيادة، وأن الوقت قد حان لرفع الحظر عن ممارستها لهذا الحق، حتى أتى خبر إلقاء القبض على السائق من قبل هيئة النهي عن المنكر ليختل التوازن في الحادثة لصالح "لا أحد" وليستمر الجدل ويتوه الدرس المستفاد من هذه الجريمة.
علق أحدهم على الموضوع أن الوطن حق للجميع ولا يحق لأحد أن يمنع مواطنا آخر لمجرد اختلاف جنسه من ممارسة ما لم يمنعه الشرع صراحة، فأتى متحمس لينعت صاحب الرأي بأنه ليبروفاشي، وهو الوصف المستحدث الذي يطلقه أصحاب الميول المحافظة ومن دواعش لكل فرد صاحب رأي متحضر، الذي يصفونه بالليبرالية من جهة ومن جهة أخرى بالفاشية، لكل من يرون أنه يعادي تحجر منهجهم باعتبارهم يؤمنون بأنهم وحدهم حماة الدين.
وقعت الطائرة الروسية بعد إقلاعها من مطار في شبه جزيرة سيناء فخرج المغردون يتناقلون الخبر ويحللون، لم تستوقني إلا تغريدة لأحد المتمشيخين الذي اعتبر موت الأطفال وهم على دين الأرثوذكسية المسيحية رحمة من الله لهم، فهو يعتبر أنهم لا يستحقون الحياة، لأنهم ليسوا بمؤمنين، وبذلك فقد تمكن بحكمة لا يملكها إلا هو من الرد على كل إنسان تعاطف مع موت أطفال، وإن رد عليه أحد العقلاء من أبناء توجهه وصفه بالليبروجامي وما أدراك ما الليبروجامي.
فضح "تويتر" حقيقة مجتمعنا، فلا رقابة ستستطيع كبح واستئصال سرطان التصنيف أو اختطاف الدين باعتباره حقا مقدسا لجماعة بعينها.