في العرف العام ينبغي ألا يكون الدين سببا في كراهية الحياة والدفع بالإنسان للخروج من السكينة والطمأنينة نحو القلق والارتياب والبحث عن أسباب الموت بجدية. لكن ما يحدث في أبجديات التدين التي نراها في مجتمعنا تخالف هذا التوقع، بل تستدعي كثيرا كل ما من شأنه أن يعادي الحياة ويقترب من الموت.
قد لا أعرض هنا بطريقة علمية محترفة أسباب كراهية الحياة التي قد تكون أحد مظاهر مرض نفسي ما كالاكتئاب مثلا الذي من ضمن أعراضه فقدان الرغبة في العيش، ولكنها قراءة سريعة للواقع ومحاولة حصر الممارسات الخاطئة التي تسلب الفرد رغبته في عيش حياة مستقرة وهادئة يقضي أيامه فيها بحب وسلام. لكن هل يعقل أن هناك فعلا من يكره الحياة؟ وما الذي يقوده إلى هذا؟
بالحديث عن الاكتئاب الذي له أسباب مختلفة بيولوجية أو اجتماعية ونفسية، يقول علماء النفس إن أحد العوامل النفسيديناميكية المسببة له هو أن المكتئب يعيش لشخص آخر أكثر من كونه يعيش لنفسه، هذا الشخص ليس بالضرورة أن يكون فردا، بل من الممكن أن يكون مؤسسة أو فكرة أو تيارا ما، يكتشف المكتئب معه فجأة أنه ضيع حياته لأجل هذا الشخص (الفكرة)، أو يحاول أن يلغي الفروقات بينه وبينها، وهو حسب السياق الأخير يسعى إلى إرضائه والتقرب منه وتبني ما يريد، ولو كان على حساب الخلاص من الحياة برمتها، لأنها لا تشكل له ضرورة في وجود قناعات تحثه على الموت وتجربة حياة أخرى أكثر في نظره إغراء وزينة وأفضلية من الحالية المعاشة. وحينما يعجز عن الشعور بالرضا عن نفسه في تحقيق رغبات القوة المسيطرة عليه، يكون التفكير في الموت هو المخرج ذاته الذي يفكر فيه مع كل التفاتة.
المكتئب كذلك ينظر لنفسه حسب النظريات المعرفية بنظرة سلبية، وينظر للعالم والمجتمع الذي يحيط به نظرة عدائية وهجومية، ويعاني من فكرة توقع مستقبل ناجح خال من المعاناة والتشاؤم، لذا هو إما منعزل ومنكفئ على ذاته أو محارب لأي فكرة متفائلة، مقاوم لها، محبط للآخرين، ينشر السلبية والكراهية. وهو في الحقيقة لا يحتاج الكثير ليجد في المجتمع ما يعزز عدائيته إذا كان خاضعا لأدلجة جعلت أغلب ما يحيط به مدخلا لكراهية مفترضة وعداء يُظهر أو يخفى حسب الحاجة.
يعزز الأدب العربي في بعض مواضعه ثقافة الموت وبغض الحياة، فكبير المتشائمين أبو العلاء المعري على سبيل المثال يقول: مهجتي ضدٌّ يحاربني/ أنا منّي كيف أحترسُ.. في صورة تمثل التشاؤم حتى من الذات واستجلاب العداء لها. وابن الرومي من جهة أخرى يقول هو الآخر لحظة تسليم لليأس في قصيدة شهيرة له: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا/ وحسب المنايا أن يكن أمانيا! فما الدافع الذي يجعل منحة الحياة وهبتها سببا للبؤس وتمني الموت وتفضيله عليه؟ ربما كان الشعراء المتقدمون من العصر الجاهلي وما بعد الجاهلي بقليل يرون في التضحية بالنفس في سبيل القبيلة والمنهج والشرف نوعا من المفاخرة والتباهي كقول طرفة بن العبد: فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي/ فدعني أبادرها بما ملكت يدي.. وهذا يُشبه إلى حد ما الرتم الذي نسمعه في الأناشيد الجهادية التي تنتشر منذ عشرات السنين وتذكي حماسا واهما في نفوس الشباب تدعوهم من خلاله للتضحية بالنفس والإقدام على الجهاد في سبيل أوطان أخرى وأنظمة تبين مع الزمن إرهابها ومحاربتها الحياة والإنسانية باسم الدين.
وباسم الدين أيضا نجد أن كل أبواب الحياة أوصدت وأغلقت في وجوه الناس مع سبق الإصرار والترصد. نعني بالحياة هنا تلك الرديفة لكل يوم يقضيه الإنسان البسيط وهو يسعى في دروب الرزق وأسباب المعيشة، ليجد من يحرّم ما يأنس له ويطرب من رقص وغناء، وما يجلي عن خاطره الضيق من جمال الصورة والصوت. بل هناك من يضيق على الناس أسباب معيشتهم نفسها البعيدة عن الترف والزائدة عن الحاجة، فتارة يحرم العمل على النساء في بعض الوظائف، ولو كانت بسيطة ودخلها شحيحا، وتارة يحارب مشاركتها وتفاعلها مع مجتمعها باعتبارها فتنة وعورة يجب التنبه لها وحصارها بالأعين والظنون! وهناك من يفرح بمناظر الموت ورائحة الدم لكل من لا يشبهه في دينه ومعتقده ومذهبه! وهناك من لا يطيب له اليوم إلا تحت آهات الموت والحديث عنه والتباكي خلف الشاشات وفوق المنابر، ولا يوجد من يتلقى هذا الحديث ويؤمن به ويطبقه إلا الإنسان البسيط ذاته، المسحوق بالتعب والمغلوب بفطرة التصديق وحسن الظن، فتنشأ أسر كثيرة على هذا التصور الذي يرى في كل الخيارات التي بها سعة حراما، وذنبا قد يقود السعي إلى الموت للتكفير عنه، أو في أبسط الأحوال اعتزال الحياة ومباهجها والانزواء في ركن أسود بانتظار قضاء الله حلا آخر.
إن إنقاذ جيل اليوم من كل التراكمات التي ترى في الموت نجاة من ضيق الحياة، وسببا للثواب والأجر، ومستراحا من عناء تكالب الأوهام والأمراض النفسية، هو الطريق الأول نحو حياة متزنة وسوية، حياة تعلو بها أصوات الحياة الطبيعية، لا تحارب فيه الفنون ولا تفصل عناصر المجتمع من أجناس أو مذاهب أو ألوان عن بعضها بعضا. حينها سنجد النشء ينشغل بالحياة نفسها وبأسبابها بدلا عن انشغاله بالموت وبأسبابه، ولن يخاطر بنزع روح شخص آخر عن طريق حزام ناسف طوّق به خصره بعد أن اقتنع بعدم جدوى الحياة!