من المباحث اللطيفة الطريفة التي يجدها القارئ في مطوّلات كتب أصول الفقه عند الحديث عن الاجتهاد والتقليد ما يتعلق بـ"تقليد الميّت"، هل يجوز تقليد المفتي المجتهد بعد موته؟! أم لا بدّ أن يكون المجتهد حيًا ليُقلّد؟ مسألة أثارها الأصوليون واختلفوا فيها، فمنهم من أجاز ومنهم ومن منع، فأما من أجازوا فاستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (وهو حديث حسن)، ونقلوا عن الإمام الشافعي قوله: "إن المذاهب لا تموت بموت أصحابها"، ثم إنه لولا تقليد الموتى لشق على الناس لا سيما حين لا يكون هناك مجتهد مطلق.
أما الفريق الآخر الذين لم يجيزوا تقليد الميّت فاستدلوا بأن عثمان بن عفان لم يشترط على نفسه تقليد أبي بكر وعمر، إذ هما قد ماتا، وقالوا إن الميت لو كان طال عمره لوجب عليه أن يجدد اجتهاده في كل نازلة – ذاك أنه يلزم المفتي الاجتهاد لكل نازلة كما يقول كثير من الأصوليين-؛ فكيف يؤخذ بقول الميت في نازلة قديمة نطبقها على نازلة حديثة؟ كيف ولو كان الميت حيًا في زمانه لوجب عليه هو أن يجدد اجتهاده في كل نازلة، فإن لكل نازلة ظروفا وسياقات ومفاسد ومصالح لا يمكن للموتى أن يعلموها أو يفتوا فيها، ولا يمكن أن يفتي فيها ويقدرها قدرها إلا الأحياء، ثم هذا هو الإمام الشافعي له مذهبان في حياته، فلو كان امتد عمره لربما كان له مذهب ثالث.
لو كان لمثلي رأي في هذا لاخترت المذهب الثاني؛ فعلى الأحياء أن ينظروا في واقعهم، وأن يتحملوا مسؤولية ذلك كاملة، وأن يعملوا عقولهم في الدرس والاستنباط، وأن يجتهدوا في العلم بالحال والمآل، والمفاسد والمصالح، في كل نازلة باستقلال.
أحسب أن لو أُخِذ بهذا الرأي المعتبَر؛ لانطلقت العقول من قيودها، ولتوقّدت شعلة الاجتهاد، ولحرص أصحاب الفكر والنظر على بذل غاية الجهد لحل المشكلات النوازل بدلاً من "استعارتها" من كتب الأقدمين.
وإني لأظن أن إنزال كلام الأئمة السابقين كما هو على واقعنا يؤدي إلى تجميد زماننا، بل التراجع به ليعود إلى زمانهم، بل ربما يتحول هذا التقليد إلى نوع من "الاغتراب" عن العصر وقضاياه، والعيش في زمن آخر.
تأمل حولك تجد أن كثيرا من القضايا المعاصرة لا نزال نتعامل معها بمنطق الأسبقين!
فهناك من لا يزال يتعامل مع الدول الحديثة التي تنهج النهج الديمقراطي بمنطق (الخلافة الراشدة)، ويعتبرون أن هناك (بيعة) تنعقد للمنتصر –ديموقراطيا- بمجرد فوزه، فإذا هو "أمير المؤمنين" الديموقراطي، ثم تجري أحكامهم على معارضيه بأنهم –يا لطيف يا رب– خوارج!
كما لا يزال بعض العلماء يسمي "المواطنين" المسيحيين وغيرهم من أبناء الدول العربية بأنهم "أهل ذمة"! هذا ونحن في عصر الدولة القطرية الحديثة، دولة المواطنة كما يقال.
وكذلك الحال في مسألة تولية المرأة للولاية العامّة مثلاً، فلا تزال بعض أطياف الحركات الإسلامية تمنع، وتتحفّظ منه؛ على اعتبار أن تولية المرأة لا تجوز، ويتحفظون كذلك على ولاية غير المسلم -اختيارا فقهيا- على أن هذا كله لا تعترف به الديموقراطية التي تخضع لاختيار الجماهير، ثم إن الحكم لم يعد فرديًا يديره خليفة كما في السابق، بل الحكم في الدول الحديثة عمل مؤسسي لا فردي، فلا يؤثر فيه أن يكون الرئيس امرأة أو نصرانيا ما دام هناك دستور واضح وقوانين مسطورة.
لست أدري إلى متى سيظل الموتى يتحكمون في الأحياء –في كل شيء-، وإلى متى سيظل الأحياء مأسورين بتقليد الموتى في كل شيء؟
نعم إننا جميعا ننظر في كلام السابقين، ونحبهم ونجلهم، ونشيد بهم، ونحتفي بآرائهم واجتهاداتهم ونأنس لها، بل كثيرا ما تعيننا على فهم ديننا، وتنبهنا إلى الكثير مما نغفل عنه، ولا ضير أن نأخذ ما نحتاجه منها، غير أن هذا شيء، والانئسار التام لهم شيء آخر. لقد اجتهدوا في زمانهم وعلينا نحن أن نجتهد في زماننا، لقد أبدعوا لحل مشكلاتهم، وعلينا نحن أن نبدع لحل مشكلاتنا.