لا يتناول حديثنا هذا أسباب تداعي الإمبراطوريات، وبروز إمبراطوريات أخرى على أنقاضها. فمثل هذا الموضوع ظل منذ القدم موضع اهتمام الباحثين والمفكرين، وكان للعلامة العربي عبدالرحمن بن خلدون شرف السبق في وضع قاعدة نظرية لهذه الأسباب. كما أنه لا يهتم بتاريخية الإمبراطوريات وعوامل تكونها؛ إنه يناقش لحظة الإعلان عن الحضور والغياب، وآلياتهما. حديثي في الأفكار، والنظريات السياسية، وليس معنيا بالمعايير الأخلاقية للسلوك الإنساني. وذلك ما يتسق مع الفهم المعاصر للسياسة في نطاق علومها.

فرغم أن المدارس القديمة ربطت السياسة بمدرسة الأخلاق، بما يعني أن الفعل السياسي ينبغي أن يكون محكوما بمنظومة قيمية، إلا أن التعريف الشائع للسياسة ربطها بقانون المنفعة وفن الممكن، وأحدث تغييرا في وظيفتها. لقد غدت السياسة عملا براجماتيا وباتت البراجماتية صفة ملازمة للسياسي الناجح.

ومع نشوء الإمبراطوريات والدول، وتعقد وظائف الحكم، ارتبط المفهوم السياسي ارتباطا عضويا بفن إدارة الدولة. والدول تصيغ سياساتها، متكئة على معطيات ذاتية وموضوعية، وينفذ السياسيون أجنداتهم بكل ما هو ممكن وكل شيء مباح من أجل تحقيق تلك الأجندات. فالتلويح بالجزرة والعصا أدوات لا يتردد القادة السياسيون في استخدامها متى ما مكنتهم من تنفيذ أهدافهم.

وعبر التاريخ، شنت الحروب من أجل تحقيق غايات سياسية. وبشكل خاص عندما تفشل المفاوضات في تحقيق الأهداف، حينها يفرض الطرف الأقوى شروطه، من خلال فوهات البنادق.

وعلى هذا الأساس، فإن الحروب هي في المجمل أدوات في خدمة السياسة. فقد قيل في تفسير أسباب الحرب، إنها تشن من أجل السيطرة على المواد الخام، والتحكم في الممرات والمعابر الاستراتيجية. وقيل إنها تتم بدوافع دينية، كحال الحروب الصليبية. ولكن آخرون، أصروا على أن الحروب تشن إما مدفوعة بنزوع التوسع، أو بسبب ندرة الموارد. وربط بعض المنظرين أسبابها بالأزمات الداخلية. إن الحكومات التي تتعرض لأزمات داخلية حادة تلجأ لشن حروب خارجية، من أجل تسعير المشاعر القومية، بإيجاد عدو خارجي، يجتمع حول مواجهته جميع أفراد الأمة.

ميز الفلاسفة بين الحرب العدوانية والحرب العادلة. فالحرب العدوانية هي بطبيعتها عنصرية وتوسعية، وتمثل عدوانا من القوي على الضعيف. أما الحرب العادلة فتهدف للدفاع عن النفس، ورد العدوان. وهناك من اعتبر الحروب الاستباقية حروبا عادلة، لأنها تأتي ردا على عدوان محتمل.

لكن مهمة الباحث هي المساعدة على فهم الظروف التي تشتعل فيها الحروب، وليس اتخاذ موقف منها. لأن التفسير القيمي يمثل موقفا، والموقف يمثل انحيازا، والانحياز يتنافى مع الحياد والطبيعة العلمية التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث.

رأى كثير من المفكرين أن الحروب سوف تستمر، طالما استمر النوع الإنساني، ورفض آخرون هذه الفكرة، ورأوا في اندلاع الحروب دليلا على عدم توصل الإنسانية إلى نظام يحفظ الأمن والسلم في العالم. في حين فسر آخرون ظاهرة الحرب بوقوف غائية خلفها لحفظ التوازن، بين ندرة الموارد، وبين عدد السكان. وشبهوها بظاهرة الكوارث والأوبئة التي تضطلع بتثبيت هذا النوع من التوازن.

في نظريات الدورة التاريخية هناك قراءات من النوع الحتمي للحروب، يشير بعضها إلى أن البشرية تشهد حتما حربا كبرى كل مائة عام.. لكن أحداث القرن العشرين دحضت نظريات الدورة التاريخية، حيث شهد القرن حربين عالميتين مدمرتين، هما أكثر الحروب فتكا وتدميرا في التاريخ الإنساني.

نجادل هنا، ومن خلال الرصد التاريخي، أنه ليس يكفي أن تكون القوة العظمى هي الأقوى اقتصاديا، بل إن الحرب شرط لازم لتتويج هذه القوة، على رأس صناعة القرارات الأممية، وتأسيس نظام عالمي جديد. فهذا النظام يصنعه في الغالب المنتصرون، كما حدث في الحربيين الكونيتين. فالإمبراطوريات الفاشلة تعبر عن ذلك بهزائم ماحقة تواجهها جيوشها. ويأتي الفشل في الحرب إعلانا للنهاية، كما حدث مع الامبراطوريات القديمة. وكما هو مع سقوط السلطنة العثمانية، حيث كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة رصاصة الرحمة التي أنهت حقبة ما أطلق عليه بالرجل المريض بالأستانة.

الأزمات السياسية قد تودي بالإمبراطوريات، كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق، حيث كان سقوط جدار برلين بمثابة الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، معبدا الطريق للسقوط المدوي للامبراطورية السوفييتية وللكتلة الاشتراكية في آن معا، إلا أنه أن من الصعب تغييب دور الفشل العسكري لهذه الإمبراطورية في أفغانستان.

لكن لحظة تتويج الولايات المتحدة، كقطب عالمي أوحد، لم تتحقق إلا بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، بقيادة الولايات المتحدة. وكانت مرحلة استثنائية في التاريخ الإنساني، لم تعمر طويلا. فالعلاقات الدولية حين تنفرد بالهيمنة عليها قوة وحيدة؛ تعيد حضور قانون الغابة، ويختل فيها الأمن ويسود فيها الانفلات.

عودة التعددية القطبية بعودة روسيا بقوة إلى المسرح الدولي لن تكون استثناء عن القاعدة. فهذه العودة لن تكون حقيقية، ما لم تتوج بنصر عسكري حاسم تحققه روسيا في ميدان أو أكثر من ميادين الصراع الدولي. ولعل هذه القراءة تفسر لنا أسباب الأزمة الأوكرانية، وأيضا التدخل الروسي في سورية تحت يافطة مكافحة الإرهاب.

وفي كل الأحوال، فإن بروز الامبراطوريات وسقوطها مرتبطان إلى حد كبير بالانتصار أو الهزيمة في حرب. وعلاقة الحرب بها؛ علاقة جدل، ولسوف يستمر هذا القانون، طالما استمر صراع الإرادات، معبرا عن اختلال في توازنات القوى، واختلافات في المواقف والرؤى.