في كتابه "البلاهة والاستحمار" يقول علي شريعتي: "قد لا يدعوك الاستحمار إلى القبائح والانحرافات أحيانا، بل بالعكس، قد يدعوك إلى المحاسن، ليصرفك عن الحقيقة التي يشعر هو بخطرها، كيلا تفكر أنت بها، وهنا يغفل الإنسان، ويتجه نحو "جمال العمل" ولطافته غافلا عن الشيء الذي ينبغي أن يَعيَه، وهذا هو الاستحمار من طريق غير مباشر".

ويرى شريعتي أن الاستحمار ليس إلا تخديرا للأفكار وتزييفا للأذهان، وهو عملية يتم بموجبها تسخير للإنسان كما يُسخَر الحمار –أعزكم الله– مؤكدا أن أي دافع لتحريف الفرد عن النباهة الإنسانية والنباهة الاجتماعية هو دافع استحمار. ولتبسيط هذا المفهوم أكثر، فإنه يمكن اعتبار الذين يتوقفون عن العمل قبل الصلاة بنصف ساعة، ولا يعودون إلا بعدها بنصف ساعة بدعوى أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، إنما يستحمرون الناس، كما يمكن اعتبار الذين يمانعون دخول المقاول الأجنبي لصالح المحلي غير الجاهز بدعوى السعودة، إنما يمارسون الاستحمار.

وعلى ذلك، فمن يستحمرك قد يدعوك إلى عمل مهم، من أجل أن يُلفت نظرك إليه فتغفل، بينما هو يخرق في الجانب الآخر ما هو أهم.

قبل سنوات، استاء بعض الفاسدين من مدير إحدى البلديات، عندما كان صارما في تطبيق القانون، بما لم يسمح لهم بالوصول إلى مكتسبات كانوا يحصلون عليها دون غيرهم، فبحثوا عن سبب وجيه للوشاية به وإبعاده، ونظرا لصعوبة إدانته فيما هو خارج عن القانون، بحثوا عن سبب آخر، فتربصوا به الدوائر، ولما علموا أنه مدخن ولديه تأخير عن صلاة الفجر، ذهبوا إلى مناصحته لكنه لم يستجب لمطالبهم، على اعتبار أن هذا الأمر خاص به، وأن ما بينهم وبينه هو جديته فيما يُسند إليه من عمل، فإن لاحظوا عليه تقصيرا في مجال عمله فهو على استعداد لأن يسمع لهم ويستجيب لمطالبهم، غير أن هذا الكلام لم يعجبهم، وحاولوا إقناع البسطاء أن وجوده في هذا المكان خطر على العقيدة والدين، بما يستوجب أن يرفعوا بأمره إلى جهة أعلى، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كي يُستبعد أو يُتَخذ بحقه إجراء صارم، فكان رده على تلك الجهة آنذاك: "أتيت إليهم مدير بلدية لا إمام مسجد"، إلا أن المسؤول في النهاية أذعن لمطالبهم، وأوصى بترقية مدير البلدية واستبداله بمدير آخر، على أن تظهر على مدير البلدية الجديد سمات الدين والصلاح! وبالفعل: أتاهم مدير بلدية جديد على حسب المواصفات التي يرغبونها، فكانت أحاديثه معهم لا تخلو من الذكر والوعظ، لكنه استولى على أكثر أراضيهم هو ومجموعة من الانتهازيين معه، كما أن المشاريع في عهده عُطلت، وانتشرت رائحة الفساد في كل زاوية من زوايا إدارته حتى أزكمت الأنوف، لكن أحدا لم يجرؤ على انتقاده أو النيل منه، ذلك أن طبقة محمية من الانتهازيين راضون عنه، إضافة إلى أن مظهره الخارجي ولسانه، كانا بمثابة الستار الحديدي الذي يمنع الناس عن رؤية مثالبه، فلم يغادر تلك المدينة المنكوبة إلا بعد أن ضاق حسابه البنكي بالملايين، ولم يدرك الناس أنه استحمرهم إلا بعد سنوات من رحيله، عندما اكتشفوا عشوائية في الشوارع، واحتكارا للأراضي، وسيطرة على المخططات، وضعفا في البنية التحتية.

صحيح أنه قد مضى على الحادثة أعلاه سنوات، وأنها قد لا تخلو من المبالغة، لكن الدين ما زال ستارا يستخدمه الانتهازيون في استحمار الناس وتغطية عيوبهم، مستغلين عواطف البسطاء وتعظيمهم كل ما هو مقدس، فكل من فشل في التغيير ولم يجد ما يستر به عيوبه اتجه إلى الوعظ، وحين يوكل إلى مسؤول ما عمل معين، فيتحول إلى واعظ أو ناصح على حساب عمله الأساس، فاعلم أنه قد فشل في عمله، وليس لديه ما يقدمه، فاتجه لوعظ الناس من أجل أن يستحمرهم، فإن انتقده أحد أو اتهمه بالتقصير في عمله؛ أظهره أمام الناس بمظهر المحارب لدين الله، وبهذا ينقل المواجهة لتكون مع الله بدلا من أن تكون معه، وأعتقد أن بعضا من المسؤولين في الآونة الأخيرة بدأوا يحترفون هذه المهنة البسيطة في خداع الناس، والناس تعرفهم، والزمن كفيل بتعريتهم، وهذا النوع من الاستحمار يمكن تصنيفه على أنه من النوع الفاخر، لأن المقصود فيه ليس الإنسان العادي، وما يجب التنبيه إليه أن الاستحمار ليس بالضرورة أن يتلبس صاحبه لباس الدين، ولكنه قد يتلبس شيئا عظيما آخر، كالوطنية والولاء وغيرهما من المبادئ الكبرى، حين يأتي من يستخدمها سوطا يجلد به الناس، ويكون الحديث عنها على مستوى الشعارات فقط، لكن مع ذلك فإن أعلى درجات الاستحمار ما يأتي عن طريق "الدين" مع الأسف الشديد.