قبل أكثر من خمس سنوات، وفي لقاء مع بعض الأصدقاء، تناول أحدهم موضوع المعلمين وفقدانهم مكانتهم الطبيعية، ووجه لي سؤالا بقوله "هل ما يشاع بين أوساط الناس عن فقدان مكانة المعلم عند تلامذته والمجتمع حقيقي؟".

فأجبته من وجهة نظري ليس المهم الآن معرفة ذلك فقط إن كان حقيقة أو خلافه، وزدته توضيحا مختصرا فقلت له:

إنْ ضاعت مكانة المعلم، وبدأت الأسرة وأبناؤها والعاملون في خارج ميدان التعليم لا يكترثون لذلك، فاعلم بقدوم ما هو أسوأ، ستكون هناك جُرأة من الطلاب و"بعض" أولياء أمورهم ممن لديهم مسائل شخصية، سيكون تطاولهم أحيانا على أصحاب رسالة التعليم كالشرارة التي قد تخلف نيرانا عظيمة ستعمّ المجتمع دون استثناء "لا سمح الله"، وقلت له في ذلك اللقاء: "إنّ ما يحدث للمعلمين والمعلمات من تهجم وتطاول وغيره سينعكس قريباً على الأطباء والمهندسين ورجال الأمن والموظفين والعاملين من مختلف الجنسيات في كافة القطاعات، وبعدها سيعود على الوالدين والأسرة"، فقاطعني قائلاً: أنت تبالغ كثيرا، ولا أتخيل حدوث ذلك.

انتهى حديثي مع الصديق .. والآن .. وللأسف الشديد وصلنا لمقدمات تُنذر بتجاوزات من الجميع باتجاه الجميع، فالاعتداءات أصبحت تطال العاملين في المجال الصحي من أطباء وممارسين صحيين وكذلك موظفي العديد من القطاعات، ولم ينجُ من التصرفات العدوانية كثير من المحلات التجارية والمطاعم ومحطات الوقود والعاملين في تلك المواقع، وأصبحت التقنية الحديثة تُطلعنا على مئات التصرفات من أشخاص يشعرون بأن الحرية الشخصية تُبيح لهم التعدي على حريات وحقوق غيرهم مهما كانوا، وسمعنا عن عقوق سافر وتهجم وتعدٍ باليد والسلاح على الوالدين والإخوة.

نشأة الأبناء على احترام العلم والتعليم والمعلمين تزرع في أنفسهم توقير الكبير واحترام الغير، وعدم التعدي والاعتداء، ويبث فيهم روح التنافس والطموح، ويُشعرهم بالتدرج في مراحل حياةٍ مليئة بالصلاح والنجاح.

عضو هيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن حميد، بيّن مؤخرا أن من ركائز حفظ المجتمع إعادة هيبة المعلم ورسَمَ نقاط لن يتأتى ذلك قبل السير عليها، ومنها: إعطاء المعلم حقه من درجات وظيفية وفروقات، ومنح صلاحيات أوسع للمدارس، وكذلك تكاتف الأسرة والمجتمع مع المعلم والمدرسة. انتهى كلامه.

وأُشير أخيراً إلى أنّ علينا ألّا نطالب المعلم بالقيام بكل شيء ونحن لم ندعمه بأي شيء، حتى الاستقرار الذي ينشده عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات، ولا يزال أكثر من 90 ? من الجيل الجديد منهم مغتربين عن أسرهم يكابدون عناء التنقل في الطرقات كل يوم لتبليغ رسالتهم السامية.

فهل سنسمع صدىً لصوت إمام الحرم؟ وفق الله فضيلته وجميع المسلمين لكل خير.