يصادف هذا العام الذكرى السبعين لتأسيس الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.. ونتابع جميعاً تقاطر الاحتفالات بسبعينية كل من منظمة الأمم المتحدة في أكثر من بلد عربي وعالمي طبعاً وبأنشطة متعددة.. من الثقافي إلى الإنمائي.. وتقريباً كل منظمات الأمم المتحدة المنتشرة في منطقتنا تحتفل بهذه المناسبة للتأكيد على دور الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة الإنمائية والأمنية.. من دون أن نلحظ نشاطاً واحداً يذكّر بجامعة الدول العربية في سبعينيتها والتي تأسست قبل الأمم المتحدة بستة أشهر.. باستثناء الصرخة الصادقة التي أطلقها سمو الأمير خالد الفيصل من الصخيرات في المغرب خلال افتتاح مؤتمر مؤسسة الفكر العربي التي يرأس سموه مجلس أمنائها.. تحت عنوان "أحلام الوحدة وواقع التقسيم".. حيث تعهد فيها بأن تجعل مؤسسة الفكر العربي من العام السبعين لتأسيس العرب جامعتهم عاماً تقييمياً واستشرافياً للتأكيد على أهمية هذه المنظومة..
اتخذت مؤسسة الفكر العربي نمطاً عقلانياً في التعامل مع هذه المناسبة، إذ دعت ما يزيد على المئة مفكر عربي من كافة التخصصات للنقاش حول واقع جامعة الدول العربية ومستقبلها..
وكانت تدور هذه الورش التحضيرية حول موضوعات كل من الدولة الوطنية والهوية والتكامل الاقتصادي والثقافي والأمني.. إضافة إلى محور خاص حول الورقة الإصلاحية المستقلة لجامعة الدول العربية..
خلاصة هذه الورش أظهرت تأثير الواقع المرير على كل الأبحاث والدراسات والآراء.. وكان الجميع يعبرون عن سخطهم وغضبهم مما آلت إليه الأمور في أكثر من بلد عربي من كوارث وحروب ودمار وتفكك.. وهذا السخط لا يبشر بالكثير من الأمل لأننا بتنا نعرف جميعاً أي واقع عربي مأساوي نعيش.
راجع المفكرون العناصر المكونة لثقافة العمل العربي المشترك.. منذ تأسيس الجامعة حتى الآن.. وكان العنصر الأكثر تأثيراً في تكوين تلك الثقافة التي أدت إلى ما نحن عليه اليوم هي قضية فلسطين.. التي داهمت الجامعة العربية في أيامها الأولى.. التي تأسست عام 1945 من سبع دول بعضها مستقل حديثاً.. والتي فاجأها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في عام 1947 والذي تلته حرب فلسطين عام 1948 أو ما عرف بنكبة فلسطين..
ونستطيع أن نقول إن تلك النكبة كانت المكون الأول لثقافة العمل العربي المشترك.. ثم جاءت فكرة الوحدة العربية الاندماجية بين مصر وسورية عام 1958 لتطرح مكونا جديدا على ثقافة العمل العربي المشترك.. وهي الدولة العربية الاندماجية التي حملت أيضاً قضية تحرير فلسطين وتجاوبت الشعوب العربية معها في هذا الحلم علها تخرج من آثار النكبة ووعيها المهزوم.. وشكلت فكرة الوحدة العربية الاندماجية تيارات فكرية أثرت في تكوين ثقافة العمل العربي المشترك لعقود طويلة رغم فشلها المطلق في عام 1961 بما عرف بالانفصال..
جاءت نكسة يونيو أيضاً كمكون إضافي لثقافة العمل العربي المشترك والوعي المهزوم وهي نكسة الجيوش العربية في مصر وسورية والأردن وتوسع الاحتلال الإسرائيلي إلى الجولان وسيناء وقناة السويس والضفة الغربية لنهر الأردن.
بعد هزيمة يونيو ظهرت فكرة حرب التحرير الشعبية "المقاومة" لتدخل أيضاً كمكون إضافي لثقافة العمل العربي المشترك.. وانتشر السلاح بين أيدي المواطنين حيث تواجد الشعب الفلسطيني.. وتشكلت منظمة التحرير الفلسطينية وانتشر العنف الأهلي المسلح بداية في الأردن ثم كانت حرب لبنان الأهلية الطويلة التي أدت إلى انهيار تلك الثقافة مع خروج منظمة التحرير من لبنان عبر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
بعد الوحدة والتحرير والعنف الأهلي المسلح جاءت عملية السلام لتدخل أيضاً كمكون إضافي لثقافة العمل العربي المشترك.. والتي أيضاً لم تؤد إلى نتيجة كغيرها من الخيارات..
والجدير بالذكر هو أن المؤتمر الأول لمؤسسة الفكر العربي في القاهرة كان تحت عنوان: "ماذا لو فشل خيار السلام؟".. وعملية السلام أدت إلى سياسة الانكفاء للدولة الوطنية أو الخصوصية الوطنية بعيداً عن العمل العربي المشترك.. ومع الأسف لم تنجح أيضاً هذه الثقافة، إذ نشاهد الآن حالات العنف الأهلي وتفكيك العديد من الدول الوطنية نتيجة فشل قيام الدولة الحديثة التنموية.
السؤال المطروح الآن: كيف نحافظ على منظومة العمل العربي المشترك في عامها السبعين؟ وقد حدد سمو الأمير خالد الفيصل هذا المسار.. وهو جعل التكامل العربي هدفاً على أساس الحفاظ على الخصوصيات الثقافية الوطنية لكل الدول العربية مع بناء ثقافة تكاملية حديثة شأنها شأن الدول الناجحة كالاتحاد الأوروبي وأيضاً التجربة العربية التكاملية الناجحة لمجلس التعاون الخليجي.. على أن تتولى النخب العربية والكيانات التكاملية من منظمات متخصصة في إطار جامعة الدول العربية ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع الأهلي التأسيس لثقافة تكاملية تُخرج دولنا ومجتمعاتنا العربية من الوضع الكارثي الذي نعيشه..
وبذلك يكون سمو الأمير خالد الفيصل.. رئيس مؤسسة الفكر العربي.. وحده الذي بادر إلى إحياء الذكرى السبعين لتأسيس جامعة الدول العربية من خلال مؤتمر استثنائي ينعقد بين 6 و8 ديسمبر 2015 في مقرها في القاهرة، تحت عنوان "التكامل العربي: تحديات وآفاق".. مع إصرار سموه على اعتماد أحدث الآليات العالمية في تنظيم المؤتمرات.. والتي تتيح لكل المشاركين إبداء آرائهم والمساهمة في تحديد الأولويات والأهداف.. من أجل الدخول في تجربة تكاملية يكون هدفها بناء ثقافة تكاملية عربية.. وإعادة الاعتبار لثقافة السؤال الذي هو أصل المعرفة على قاعدة أن السؤال الصحيح هو الذي لا يتضمن إجابة مسبقة.. وهنا يأتي تكريم سمو الأمير خالد الفيصل من قبل الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة باختياره الشخصية الثقافية للدورة الـ34 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب بمثابة تأكيد على الدور الريادي للأمير في التأسيس لثقافة تكاملية عربية..