عندما يحين موعد تحليقها نحو السماء البعيدة؛ لا تنتظر تلك الأرواح تلويحاتنا بالوداع، تستل برفق تاركة دفء أنفاسها في المكان، وتسابق الشفق إلى الغياب الأبدي تاركة لفاجعة الرحيل فرصة الركض العنيف في قلوب أدماها فقد الأحبة. وإن كان الموت حقيقة دامغة، إلا أننا نستنكر لحظة مجيئه، ونكذب الخبر اليقين، أنه هناك يتخذ من أوكار الغادرين ملاذا ليندفع بشغف باترا نبض الحياة في جسد طفل أو مسن أو حتى فتى أو فتاة كانا يحتفيان بالفرح قبل لحظة الاغتيال الكبيرة، وهي اللحظة ذاتها التي اغتالت ريم وطفلها الرضيع وسكون المغيب وصوت الأذان يغشيان قلبيهما قبل أن تخترقهما شظايا الغدر التي لا تهاجم إلا من الخلف.
كان الحدث مهيبا، طفل وأمه غادرا الدنيا في اللحظة نفسها، وكأن قلب الأم حتى وهو ساكن يعجز عن تحمل فراق رضيعها الذي كان وفيا فترجل عن صهوة الحياة لينام قريرا في حضنها البارد بفعل الموت.
وريم وصغيرها ليسا إلا رقمين أضيفا إلى أرقام سبقتهما إلى السقوط، وإن لم يكونوا مواطنين في منازلهم أو أعمالهم، فهم جنود الوطن على تخومه يتوسدون البارود، وهم يترصدون خطوات المعتدي وهي تتلصص في الظلمة، تبحث عن جحر ثعلب تلج منه.
هكذا هي ساحات الوغى لا تجف عنها الدماء. الشهداء يسقطون فيها دفاعا عن الوطن، متناسين الأهل والولد، فلا شيء في قلوبهم إلا الأرض، غير أن لرحيلهم مرارة لا يستطعمها إلا من فقد أبا أو ابنا هناك، ودّعه عند ذهابه وهو يعلم أنه قد لا يراه ثانية، غير أنه ربط على قلبه واستودعه الرحمن، ليكون في عودته أو استشهاده بطلا ضحى لنكون في أمان.
ولأمثالهم علينا حق كبير، ليس في الاعتراف ببطولاتهم فحسب؛ وإنما في الوقوف إلى جانب أسرهم وأبنائهم في فاجعتهم وجرحهم الغائر الذي يتحسسون عمقه وهم يهرمون دون أبنائهم، ويبلغون الشباب دون آبائهم.
والمواسم والأعياد تحل عليهم وهم ينظرون إلى السماء علها تسقط أرواحهم، مصدقين هدايا الجدات التي لا تنفك تعدهم بالمجيء عندما يهطل الليل، ويكتمل القمر.