دشنت وزارة التعليم واحداً من أهم البرامج في بلادنا، لسبب واضح جداً وهو أن هذا البرنامج يتعلق بمشكلات الشباب الذين يتم استدراجهم من قبل منظمات ومجموعات مجهولة تستخدمهم لأغراضها وأهدافها، وتدفع بهم إلى القتل والتفجير والهدم والخراب إلى المدى الذي وجه طاقات شبابنا إلى وجهة التدمير بدل البناء وتشويه سمعة الإسلام وانتشار التطرف والإرهاب والكراهية. ومادة كل ذلك هم الشباب، وقد ظل العالم الإسلامي يعاني لفترة طويلة وإلى الآن من تشويه صورة الإسلام ومن الإرهاب والتطرف والكراهية دون أن يجد حلاً ناجحا يقضي على هذه المشكلات، وقد جرب العالم القوة لصد مشكلات الإرهاب والتطرف والكراهية ولم يفلح، فهذه أفغانستان والعراق تشهد على ذلك، وجرب العقاب الصارم المتمثل في الأحكام المتراوحة بين المناصحة والسجن والقتل، لكن الإرهاب مستمر بل وتفاقم وأخذ عدة مناح تعدت قتل الآخر والانتقام منه إلى أن أصبح المسلم الشاب يقتل قريبه بل ويفجر المصلين العابدين الآمنين، في ظل كل ذلك كان لا بد من البحث عن طرق ووسائل أخرى تنقذ الإسلام وتنقذ شبابه من التغرير بهم ودفعهم إلى قتل أنفسهم والناس وتفجير المساجد، وتوجه طاقات الشباب إلى البناء ومشاركة مجتمعهم في مشكلاتهم والعمل على حلها.
إن 67% من أبناء الوطن هم تحت سن 30 عاما، كما أن 30% تحت سن 15 عاما، هؤلاء الشباب يشكلون الجهاز العصبي للوطن، والذي يجب أن يكون فاعلاً وبانياً، من هنا تأتي مبادرة وزارة التعليم الإيجابية والمختلفة جداً عن الوسائل المستخدمة سابقا لمعالجة انخراط الشباب في الفكر المتطرف. وهو أهم البرامج الوطنية التي نحن بأمس الحاجة إليها في هذا الوقت بالذات، والبرنامج كما نقلت لنا وسائل الإعلام يهدف إلى "وقاية الشباب والشابات من الانحرافات السلوكية والفكرية لتنشئة جيل يؤمن بالوسطية والتعايش مع الآخر، محب لوطنه وقيادته خال من العقد والسلوك السيئ والمخدرات." وقد تم التنسيق على مستوى عال مع وزارة الداخلية التي تعاني من آثار الفكر المنحرف والغلو وما يسببانه من تهديد لأمن الوطن واستقراره، وكان لا بد من هذا التنسيق بحكم تاريخ وزارة الداخلية الطويل في مواجهة التطرف والإرهاب. برنامج فطن سيتعامل مع الأسباب المؤدية إلى الفكر المنحرف ويعالجها، وهذه بادرة تحمد لوزارة التعليم، وسينجح، من وجهة نظري، إذا تحققت فيه الشروط التالية:
أولا: إدخاله في صلب نظام التعليم ومهام المدرسة، وألا يكون نشاطاً إضافياً يتم التعامل معه ضمن ثقافة الأنشطة الإضافية التي لا تحظى بالاهتمام المطلوب رغم أهميتها، وأعني بذلك أن يدخل برنامج فطن ضمن منظومة التعليم التي تتعرض للتقييم وتتم المحاسبة على التقصير فيها تماماً مثل بقية المنظومة التي تدخل في هذا الإطار، هنا تقوم المدرسة بكامل طاقمها بإعطاء البرنامج ما يستحقه من الاهتمام باعتباره عنصرا مهما يؤثر تقويمه على مستوى المدرسة، وهنا نضمن تفاعل جميع العاملين في المدرسة معه. ثانياً: استمرار تقييمه بين فترات متقاربة حتى يشعر الجميع أن هذا البرنامج يحظى باهتمام خاص، حتى نضمن سير البرنامج في الاتجاه الصحيح لتحقيق أهدافه. ثالثاً: مشاركة الشباب في التنفيذ والتقييم والمعالجة، فالشباب أدرى بمشكلاتهم، ولا بد من إشراكهم لنعرف بدقة أين نجحنا وأين أخفقنا، وسنرى إبداعا منقطع النظير من بعضهم. فلا بد من تحميل الشباب جزءا من المسؤولية. رابعاً: الشفافية والمصداقية في التقييم وبيان جوانب النجاح وتعزيزها وجوانب الفشل وعلاجها حتى نصل إلى شواهد وأمثلة من الواقع لا مجرد قصص جميلة ولغة بليغة.
خامساً: إشراك البيت بشكل فاعل في البرنامج لا برفع الشعار المعروف "علاقة البيت بالمدرسة" الذي أصبح شعاراً أجوف لا يتحقق على أرض الواقع، من خلال آلية تضمن تفاعل البيت بشكل واضح وتضمن تحمل الأسرة لدورها في تحقيق أهداف البرنامج بشكل تكاملي مع بقية الأدوار التي تقوم بها المدرسة والشباب والجهات، فحضور أولياء الأمور فقط لا يكفي، لا بد أن يكون في طرق تنفيذ البرنامج آلية تضمن تفاعل البيت وتكليفة بمهام محددة يقوم بها. هذه الشروط ومتابعة تحقيق أهدافها واقعا أزعم أنها ستسهم بشكل كبير في نجاح برنامج "فطن".