قال لي من أثق في روايته إنه لاحظ أن كاميرا إحدى سيارات ساهر البيضاء تومض بشكل قوي متسارع، وكان الوقت ليلاً، فشده المشهد البديع الغريب، وتوقف بقرب السيارة وبدأ يعد فوجد أن نور الكاميرا يتتابع بمعدل مرة كل خمس ثوان على الأقل، أي أن الكاميرا تسجل ما لا يقل عن عشر مخالفات في الدقيقة، أي ستمئة في الساعة، وعلى اعتبار أن حركة السير في شارع التخصصي الشمالي في مدينة الرياض الذي كان هو مسرح الحدث تظل نشطة خمس عشرة ساعة في اليوم على الأقل فإن حصيلة المخالفات لكاميرا واحدة في جزء من شارع واحد، وفي يوم واحد، ما لا يقل عن 9000 مخالفة، أي 2.7 مليون ريال كل يوم.
قلت مستنكراً.. معقول..؟؟!! قال.. طيب احذف نصفها واحسب معي كم سيكون دخل سيارة صغيرة فيها كاميرا في الأسبوع وكم دخلـها في الشهر والعام، وإذا كان دخـل السيارة الواحدة في العام قد يبلغ وفق هـذا المعدل ما يقارب نصف ملـيار ريال فكم سيبلغ دخل كامل كاميرات ساهر في مختلف أجزاء شارع التخصصي، ثم في شوارع الرياض كلها، ثم في كافة مدن المملكة.
ولو افترضنا أن جميع كاميرات شوارع الرياض التي لم توضع بعد ستُشترَى من هذا الدخل الكبير وكذلك كاميرات شوارع المدن الأخرى فكم يوم ستغطي حصيلة تلك التجهيزات، وأين ستذهب المبالغ الخرافية المتبقية والتي ستنهمر باستمرار بعد ذلك..؟؟
هذا الاستنتاج الذي طرحه علي من شاهد وسجل قد يكون فيه مبالغة على اعتبار أن المشهد في الأيام الأولى أو الأسابيع الأولى لن يتكرر ويخف بالتدريج، ولكن لا أظن أن المبالغة كبيرة ومن أراد التأكد فليقف الآن في الجزء الشمالي من شارعي التخصصي والأمير تركي الأول في مدينة الرياض اللذين حددت السرعة فيهما بـ70 كيلومتراً، ويعد السيارات العابرة ويقدر سرعتها، فسيجد أنها بالمئات في فترة وجيزة وسرعاتها لا تقل عن مئة كيلومتر في الساعة بعد مضي هذا الوقت الطويل لانطلاقة ساهر.
نظام ساهر كفكرة ومشروع في غاية الروعة من حيث المبدأ، وحين كنت أقرأ أو أسمع عنه قبل عدة أشهر من هجومه الكاسح على شوارع مدينة الرياض كانت صورته في نفسي مهنية محترمة حضارية له أهداف وغايات عظيمة، لكن بصراحة بعد أن بدأ هجومه بتلك السيارات الفان الصغيرة بكاميراتها التي تخص السائقين بأنوارها القوية المفاجئة فتضحكهم أو تربكهم وتقع الحوادث، وبعد أن حمل سلاحه في وجه العزل من السلاح (أقصد عدم تزويدهم بوسائل معرفة السرعات المحددة في الشوارع على نحو واضح ودقيق وباللغتين العربية والإنجليزية) وبعد أن حدد السرعة بسبعين كيلومتراً في شوارع واسعة جداً تتوفر فيها شروط الشوارع السريعة كالأنفاق والكباري اعتاد السائقون قيادة مركباتهم فيها بما لا يقل عن مئة كيلومتر في الساعة.. أقول بعد كل ذلك بدأت بعض البثور تخرج أمامي في وجه قمرنا ساهر.
يا أعزائي في نظام ساهر حتى لو تجاهلنا كل ذلك.. ألا تدركون أن تطبيق نظام صارم بعد حالة تسيب كبرى تتطلب الحكمة والمسايسة بحيث يكون التطبيق متدرجاً يأخذ المواطن بالرفق والحسنى شيئاً فشيئاً ليغـرس الانضباط في نفسه بطريقة زرع الورود التي لا بد أن تبدأ بذرة ثم خصلة ثم تكبر شيئاً فشيئاً حتى تنضج.
مشروع ساهر مشروع حضاري يتفق الجميع على أهميته وفوائده، والذين انتقدوه انتقدوا طريقة تنفيذه ولم ينتقدوا الفكرة والهدف، ولكني أخشى إذا تم عسفهم (على الحق) عسفاً بتلك الطريقة التي رويت لي وبتلك السرعة في الخشونة أن يتحول حبهم له إلى كره شديد.
لو تم تطبيق النظام بالتدريج، وعلى عدة مراحل خلال عام واحد على الأقل بحيث تبدأ المرحلة الأولى ببرمجة كاميرات الشوارع التي سرعتها (70) كيلومتراً في الساعة على (100) بحيث تسجل المخالفات على من يصلون للمئة وتكون هي المرحلة الأولى التي تعلن للناس، ثم تبدأ المرحلة الثانية بإعلانات مكثفة يتم فيها تسجيل المخالفة على 85 كيلومتراً.. ثم ينتهي البرنامج بالمرحلة الأخيرة لتسجيل المخالفات على سرعة الشارع المحددة 70 كيلومتراً.. لو تم تنفيذ البرنامج بهذه الطـريقة المتدرجة ألن يكون هذا أفضل، وأدعى لغرس حب النظام في نفوس المواطـنين بدلاً من العسف الشديد المفاجئ الذي يُولِّد الكره..؟؟